أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، فتقوى الله هي المنجية من المهلكات، المخرجة من الظلمات، يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ.
عباد الله، لقد أتى على العرب حين من الدهر يعيشون فيه في جاهلية جهلاء وظلام دامس، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، الجهل هو قائدهم، والأمية مركبهم، حتى بعث الله نبيه محمدًا ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، فبث دعوته في أوساط قومه في مكة، ثم في المدينة، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وجعل لهذا الدين العظيم قواعد وأركانًا يعتمد عليها، وإن من أعظم هذا القواعد التي جاء بها نبينا محمد والتي تحفظ للأمة دينها تعلم العلم الذي جاء به من الكتاب والسنة، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ، والنبي يقول: ((فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)).
عباد الله، ها نحن نقف على أعتاب عام دراسي جديد، يبتدئ فيه أبناؤنا في طلب العلم وتحصيله، فما الواجب عليهم وعلى أولياء أمورهم تجاه أنفسهم ومعلميهم ومجتمعاتهم؟
أيها المسلمون، إن العلم عبادة يتعبد بها الإنسان لله سبحانه، والله لا يقبل من العبادات إلا ما كان خالصًا له، وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء، وفي الحديث الصحيح: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، فليحرص المتعلم على إخلاص نيته، فإنه بإخلاصها يكون طلبه للعلم من أفضل العبادات، وبترك الإخلاص ينحط إلى أعظم المخالفات، فالرياء مفسد للدين والدنيا معًا، وفي الحديث: ((أول من تسعر بهم النار ثلاثة))، وذكر منهم: ((قارئ تعلم القرآن ليقال: هو قارئ)).
ولقد كان السلف أشد الناس حرصًا على إصلاح نياتهم، وكانوا يجدون في ذلك مشقة عظيمة، يقول سفيان الثوري رحمه الله: "ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي".
ومما ينبغي العناية به في طلب العلم محبة الله ومحبة رسوله، وذلك بأن لا يقدم عليهما أحدًا من الناس، لا في قول ولا فعل ولا اعتقاد، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ.
عباد الله، إذا اجتمع الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله حصلت التقوى التي يسهل بها طريق العلم، وإذا سلك الإنسان طريق العلم بنية خالصة سهل الله له طريق الجنة، فكان من المصلحين.
ومما يوجه إليه في طلب العلم اللجوء إلى الله وكثرة دعائه أن يفتح عليك العلم وييسره لك، وكان شيخ الإسلام رحمه الله يقول: "اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني".
ومن أهم المهمات التي تحفظ العلم العمل به، فإن العمل بالعلم يثبته ويجعل الجوارح موافقة للعقل فيه، وقد قال السلف: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعمل". فإذا حفظ الإنسان شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله فليبادر بالعمل به حتى يثبت ويستقر، يقول الإمام أحمد رحمه الله: "ما سمعت حديثًا عن رسول الله إلا عملت به". فانظر مقدار ما حفظ، فقد حفظ رحمه الله مئات الآلاف من الأحاديث، وكلها عمل بها، ويقول علي بن أبي طالب : (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل).
واحذر ـ يا عبد الله ـ من جليس السوء، فإنه يود لك أن تكون مثله، والجليس متخلق بأخلاق جليسه، وجليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة.
وليحفظ الإنسان وقته، فهو غال الثمن رفيع القدر، ولا يسترد الزمان ولو بذل فيه الدنيا بأسرها.
وليتعب نفسه في طلب العلم والحرص عليه، فإن العلم لا ينال براحة الجسم، ولتكن همة الإنسان معالي الأمور، وليبتعد عن ساقطها وسفاسفها.
واحرص أيها المتعلم على بر الوالدين، فإن في رضاهما رضا الله سبحانه، وإذا رضي الله عنك وفقك في دنياك وآخرتك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وهدانا صراطه المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
|