أمَّا بَعد: فيا عبادَ الله، اتقوا اللهَ، واعلموا أن التعلُّمَ والتَّعليمَ الذي ينتُجُ عن الإيمان والعمل، وذلك من رُوحِ الدِّينِ وجوهرهِ، ولا عزةَ ولا سعادةَ للمسلمينَ إلا بذلك، والناسُ في نظرِ الإِسلام إما متعلِّمٌ يطلبُ الرُّشْدَ والهدايةَ وإِما عالِمٌ يطلبُ المَزيدَ، وعندما يكونُ المؤمنُ العامل للصالحات العالِمَ التقي لربه كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء [فاطر:28] يكون هو الذي يُؤْبَهُ به ويحترم في المجتمعِ الإسلامي؛ ولهذا كانَ أولُ ما نزلَ من آياتِ القرآنِ قولُ الله تعالى لنبيِّه : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]، فكانت أولَ نداءٍٍ يسمو بقدْرِ القلمِ، وينوِّهُ بقيمةِ العِلم، الذي يلازمُه الإيمانُ والعمل الصالحُ، وجعل اللَّبِنةَ الأولى في بناءِ الرجالِ العُظماءِ القراءةَ والتعلُّمَ امتثالاً لأمر الله والتزامًا بسنةِ رسولِ الله ، وقد رفع اللهُ درجاتِِ العُلماءِ حتى قرنَهم بنفسِه وملائكتِه في الشهادةِ بوحدانيته والإقرارِ بعدالَتِه، فقال جلَّ شأنُه: شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمًَا بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ [آل عمران:18]، وقال اللهُ تعالى مشيدًا بالعُلماءِ وفضلِهم على مَن سواهم: قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وقال رسولُ اللهِ : ((خيرُكم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمه))، كما جاء عنه : ((الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ من فيها، إلا ذكرُ الله وما والاه وعالمٌ ومتعلم))[1].
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واسلُكوا طريقَ العلمِ النافع في كتاب الله تعالى وفي سنةِ رسولِه ، فإنه يؤدي بكم إلى طريقِ الجنةِ والفوزِ برضا الرب، فعن أبي الدرداءِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله : ((من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طُرقِ الجنَّة، وإن الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالب العلم، وإن العالِمَ ليستغفرُ له من في السمواتِ ومن في الأرض والحيتانُ في جوفِ الماء، وإن فضلَ العالِمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكب، وإن العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا دِرهمًا، ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر))[2].
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ العلمَ النافعَ يشملُ علومَ الدينِ وعلوم الحياةِ مع الالتزام بِعلومِ الدين في المقامِ الأولِ، فإن علومَ الكونِ والحياة ونتائجَ البحثِ المتواصلِ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ لا تقِلُّ أهميةً عن غيرِها، وحسْبنا أن القرآنَ الكريمَ عندما نوَّهَ بفضلِ العلمِ وجلالِ العلماءِ رَبَطَهُ بالعلمِ الذي ينشأُ من النظرِ في النباتِ والحيوانِ وشؤونِ الطبيعةِ الأخرى فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلأنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:27، 28].
عبادَ اللهِ، لقد شاءَ اللهُ الحكيمُ الخبيرُ عمارةَ الأرض، وإنَّ من مقتضياتِ عمارتِها حاجةَ الأمةِ إلى الوعَّاظ والمرشدين والمصلحين والقُضاة وأهلِ الحِسبة، وكذلك من مقتضياتِها أنها تتطلبُ الطبيبَ الحاذق والمهندسَ البارع والباحثَ في طبقات الأرض، وغيرَ ذلك ممن لا ينتظمُ أمرُ الأمةِ وعمارةُ الأرضِ إلا بهم وفقًا لكتابِ الله تعالى وسنةِ رسولِه .
ولكنْ من المؤْسفِ ـ أيها الناسُ ـ انصِرافُ الأكْثرين إلى علومِ الحياة وعزوفهم عن العلمِ الشرعيِّ الذي به حياةُ القلوبِ وعمارتُها، وبه تتمُّ معرفةُ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه من الأحكامِ بأدلتِها وما يترتبُ عليها من الثوابِ والعقابِ، وبهذا العلمِ يكونُ المرءُ متعبدًا للهِ على بصيرة، ونافعًا لعبادِ اللهِ في عباداتِهم ومعاملاتِهم، ولذا قال رسولُ اللهِ : ((من يردِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين))[3].
فاتقوا الله عبادَ الله، واحرِصوا على التفقُّهِِ في أمورِ دينِكم لِتَدارُكِ الخطرِ وتلافي الخللِ الواقعِ في الأمة، ولتعودَ بلادُ الإسلامِ لمركزِها العلميِّ الذي كانت تحتلُّه في الماضي وتصبحَ مركزًا لإشعاعِ النورِ ونشر دينِ الإسلام في أنحاءِ المعمورة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا [الأنعام:122].
|