.

اليوم م الموافق ‏26/‏رجب/‏1438هـ

 
 

 

من فقه الزكاة – المفسدون في الأرض

3321

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الزكاة والصدقة, الفتن

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

12/9/1424

جامع الإمام تركي بن عبد الله

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- تفاوت الناس في الرزق. 2- فرضية الزكاة. 3- فوائد الزكاة. 4- الأموال الزكوية. 5- زكاة النقدين. 6- زكاة عروض التجارة. 7- زكاة الأراضي والعقارات. 8- زكاة الأسهم. 9- زكاة السيارات والدور المؤجّرة. 10- مصارف الزكاة. 11- تقديم ذوي الحاجات والأقارب. 12- وعيد مانع الزكاة. 13- تحريم السعي في الأرض بالفساد.

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التّقوى.

عبادَ الله، إنّ اللهَ جلّ وعلا حكيمٌ عليم عندما جعل خلقَه متفاوتين في الرّزق، فمِن موسَّعٍ عليه ومنهم من دون ذلك ابتلاءً وامتحانًا، وسّع على بعضِ خلقِه فأعطاهم من أصنافِ المال ما أعطى ليبتليَه هل يقوم بشكرِ هذه النّعمة، فيشكر اللهَ على هذه النّعمة ويؤدّي حقّها ويقوم بواجبها، ويعلم حقًّا أنّها من الله فضلاً وإحسانًا وكرمًا؟ ومن عبادِ الله من ضُيِّق عليه في رزقه ابتلاءً وامتحانًا، هل يصبر ويرضى أم يتسخَّط؟ فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ كَلاَّ [الفجر:15-17]، ليس من وسّعنا عليه في الرّزق دليلاً على الرّضا، ولا من ضُيّق عليه دليل على السّخَط، ولكنّه الابتلاء والامتحان.

حبّ المال غريزَة في نفوس البشر، وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20]، وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8].

أيّها المسلم، إنّ الله جلّ وعلا افترض الزّكاةَ في أموال الأغنياء ابتلاءً وامتحانًا، فالمؤمن الصّادق آمن بفرضيّة الزكاة، آمن بها إيمانًا جازمًا، إيمانًا صادقًا، علم أنّها الرّكن الثالث مِن أركان دينِه، وأنّ إسلامَه لا يكمُل ولا يستقيم إلاّ بأداء هذه الفريضة. إذًا فهو مؤمنٌ بفرضيّتها، مصدّق موقن، ثمّ مع هذا الإيمان ينفّذ حقيقةَ هذا الإيمان، فيخرِج زكاة ماله طيّبةً بها نفسُه، قريرة بها عينُه، يحمد الله ويثني عليه عند إخراجها، لماذا؟ لأنّه تدبَّر وتفكّر ورأى نِعَم الله عليه وفضلَه عليه وإحسانَه إليه، فشكر الله على نعمتِه وعلى فضلِه وإحسانه، فطابت نفسه بأداء تلك الزّكاة، وحمِد الله على نعمةِ الغنى والفضل، ثم حمده تعالى أيضًا على أن شرح صدرَه لأداء هذه الزّكاة، لإخراجها، لإيصالها إلى مستحقّيها.

أيّها المسلم، فريضة الزّكاة أمرٌ مستقرّ لدى المسلمين، دلّ على ذلك كتاب الله وسنّة محمّد وأجمع المسلمون على هذا إجماعًا قطعيًّا لا اختلافَ بينهم فيه، وأنّ منكِرَ وجوبها أو الجاحدَ لها هذا بلا شكّ مرتدّ عن الإسلام ليس من المسلمين، ومن شكَّ فيها أو في وجوبِها فإنّه ضالّ مضِلّ ليس من المسلمين، فلا بدّ من إيمانٍ جازم بها، إيمانًا صادقًا لا يعتريه شكّ ولا ارتياب.

يقول الله جلّ وعلا: وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، وقال: وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:110]، وقال: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ [البينة:5]، وبيّن جلّ وعلا فضلَ هذه الزكاة وفوائدها فقال: خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ [التوبة:103]، خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً بمعنى الزّكاة المفروضة، تُطَهّرُهُمْ فالزكاة تطهِّر قلب المصلّي وتزكّي نفسَه، تطهّر قلبَه من مرض النّفاق والارتياب، تطهِّر قلبَه من داء الشحّ والبخل والأنانية، تطهّر مالَه فتزيل شوائبَه، فيبقى المال مالاً طاهرًا نقيًّا، وهي تزكِّي أخلاقَه وتزيد في ماله، ((وما نقصت صدقةٌ من مال))[1]، بل تزيده، بل تزيده.

أيّها المسلم، ونبيّنا يبيّن الأركانَ التي بُني الإسلام عليها فيقول: ((بنِي الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة وصوم رمضان وحجِّ بيت الله الحرام))[2].

أيّها المسلم، في إخراجِ الزكاة مصالحُ وفوائد تعود على الفردِ المزكّي وتعود على المجتمع المسلم وعلى الأفرادِ الذين أخذوا الزّكاة.

أيّها المسلم، إنّ الزكاة مواساةٌ من الأغنياء لإخوانِهم الفقراء، مواساة لهم وتضميدٌ لجراحهم وإسعاف لهم في مهمّاتهم وملمّاتهم.

إنّ أداءَ الزكاة يقوّي الروابطَ بين أفرادِ المجتمع المسلم، بين غنيّه وفقيره، يقوّي الروابطَ بينهم، فالنفوس مجبُولة على حبِّ من أحسن إليها، وعلى مودّة من أحسنَ إليها. إذًا فإذا أدّى الأغنياء زكاةَ أموالِهم لإخوانِهم الفقراء تقوّت أواصرُ المودّة وارتبَط الجميع بعضه ببعض. ومِن فوائدِها تقليص الجرائمِ وإغناء النّفوس عن التطلّع إلى طلبِ المال بالوسائل المحرّمة. ففيها تقوية الأواصر، وفيها تقليصٌ للجرائم وإغناء النفوس بالحلال عن الحرام، وفيها شكر الله والثناءُ عليه والاعتراف له بالفضل والإحسان.

أيّها المسلم، الزّكاة ليست مِنّةً منك ولا مجرّد تفضّل منك، ولكن حقٌّ أوجبَه الله في مالك، افترض عليك أداؤه، فأدِّ تلك الزكاةَ عن نفسٍ طيّبة، واحمد الله على هذه النّعمة، فهي ليست تفضّلاً، ولكن حقوق واجبة وفريضة مفروضة في مالك ليُمتحَن بها إيمانك، هل أنت مؤمن حقًّا تخالف هوى النّفوس ومشتهياتِها، فتقدّم تلك الزكاةَ طاعةً لله والتماسًا لثوابه؟

أيّها المسلم، إنّ الزكاةَ لم تأتِ لإجحاف أموالِ الأغنياء واقتطاع أموالهم، لا، وإنّما جاءت لتعود على أموالهم بالخير والبركة، فهي لا تنقص الأموال وإن نقَص العدد، لكن البركةَ تحلّ في ذلك المالِ الذي أُدّي فيه الزّكاة. فهي تحصّن المالَ بتوفيق الله مِن الكوارث والحوادث، وفي الأثر: ((حصِّنوا أموالكم بالزّكاة))[3].

أيّها المسلم، أوجَب الله الزّكاة في أنواعٍ من الأموال، أوجبها في الخارج مِن الأرض من الحبوب والثّمار المكِيلة المدَّخَرة إذا بلغت نصابًا خمسةَ أوسُق، أوجبها في بهيمةِ الأنعام من الإبلِ والبقر والغنَم إذا بلغت النصابَ ومضى عليها حولٌ، أوجبها في عروض التّجارات، أوجبها في النّقدين من الذّهب والفضّة.

هذه هي أصنافُ الأموال التي تجب فيها الزّكاة، فلم يوجِبها الله في مقتنيات الإنسان من فُرُش وأواني ومراكِب ومساكن، وإنّما أوجبها في الأموال النّامية التي يقصَد من خلالها نموّ المال وزيادته.

أيّها المسلم، أوجَبها الله عليك في النّقدين الذّهب والفضة أو الأوراقِ النّقدية القائمة مقامها، فهي تمثّلها وتقوم مقامَها، فلا بدَّ من زكاةٍ فيها. وجعل رسول الله نصابَ الفضّة مائتي دِرهم إسلاميّ، ما يعادل ستّة وخمسين ريالاً عربيًّا سعوديًّا، ونصابَ الذهب عشرين مثقالاً إسلاميًّا، ما يعادل أحدَ عشر جُنَيهًا وثلاثة أسباع جنَيه سعوديّ، هذا هو نصاب النّقدين الذّهب والفضّة، فيجِب على المسلم أن يُخرجَ ربعَ عشر النّقدين الذهب والفضّة، ومقداره اثنان ونصف في المائة، خمسة وعشرون ريالاً في الألف.

أيّها المسلم، أوجب الله عليك الزّكاةَ في عروض التّجارة، وهي السّلَع التجاريّة المعدَّة للبيع على اختلافِ أصنافها وأنواعها، قال سمرة بن جندب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله أن نخرجَ الزكاة ممّا نعدُّه للبيع[4]. فكلّ ما أعِدّ للبيع وجَب على المسلمِ أن يقوّمَه عند الحَول، فيزكّيه بإخراج رُبع عشر قيمته. فالسِّلع التجاريّة على اختلافها وتنوّعها؛ موادّ غذائيّة أو أثاثًا أو غير ذلك، سِلعًا مختلفة من جميع أنواع السِّلع يقوّمها مالكها عندَ الحَول، فيقوّم الموجوداتِ في مسكنه أو معرضه، يقوّم الموجود كلَّه، فيزكّيه بإخراج رُبع عشر قيمتِه الشرائيّة دونَ أن ينظر إلى قيمتِه الأصليّة هل وافقت ذلك أو نقصت؟ إنّما المهمّ أن يقوّم الموجودات عندَه عند رأس العام، أي: عند الشّهر الزّكويّ الذي حدِّد لزكاة أمواله، فيقوّمها ويُخرِج ربعَ عشر قيمتِها على اختلافِ تلك السّلع وتنوّعها، ملابس أو غيرها، أواني أو أراضي أو غير ذلك مِن الممتلكات؛ لأنّه اقتناها بنيّة التجارة ونيّة الاستفادة منها، فيجب أن يقوّمَها على رأسِ الحول ويخرجَ ربعَ عشر قيمتها.

أيّها المسلم، البعضُ قد يتساءل في هذا ويودِع أموالَه في أراضٍ مثلاً، ويقول: لا أريد بيعَها لهذا العام ولا للأعوام الآتية، إذًا لماذا وضعتَ النقود فيها؟ يقول: أريد بها حفظَ مالي، فيقال: هذا مقصودٌ به التّجارة من قريبٍ أو بعيد، فيجب أن تقوّمَه وأن تخرجَ ربعَ عشر قيمتِه.

أيّها المسلم، جميع السِّلَع التجاريّة أراضي كانت أو موادّ بناء أو مواد غذائيّة أو ملابس أو أواني، بل كلّ ما عُرض للبيع فإنّك تقوّم الموجوداتِ عندك على رأس العام، فتخرج ربعَ عشر قيمتها الشرائيّة الحاضرة، هذا هو الواجب عليك.

أيّها المسلم، إنّ هذه الزكاةَ حقّ لله، فيجب أن تتّقي الله في إخراجها، وأن تحاسبَ نفسك، فتعدّ رصيدَك البنكيّ، وتعدّ عروض التجارة الموجودة، فتزكيها بإخراج ربعِ عشر قيمتها.

أيّها المسلم، قد تكون الأموال ليست في سلَع ولا ممتلكات، ولكنّها أسهمٌ متداوَلة خاضعة للعَرض والطلب، دائمًا تساهِم وتعرِض أسهمَ المال، تشتري عندَ هبوط الأسعار، وتبيع عند ارتفاع الأسعار، فنقول: أيّها المسلم، هذه الأسهم التي بهذه الصّورة يجب أن تزكّيها بقيمتِها الحاضرة عند مضيّ الحول بإخراج ربعِ عشر قيمتِها، أمّا لو كانت الأسهمُ مجمّدةً للاستفادة فقط من أرباحها فالأرباح تزكَّى بعد قبضِها إذا مضى عليها سنَة. وأمّا أسهمٌ متداوَلة خاضِعة للعرض والطّلب، تشتَرَى عند النزول وتُباع عند ارتفاع السّعر، فهذه تزكِّيها بإخراجِ رُبع عشر قيمتِها عند الحول؛ لأنّها عبارةٌ عن مال تملكه بيدِك.

أيّها المسلم، ما في منزلك من أثاثٍ وأواني وسيّارات ومسكن هذه لا زكاةَ فيها، يقول : ((ليس على المسلم في عبدِه ولا فرسه صدقة))[5].

السّيارات التي للأجرة إنّما يُزكَّى أجرتُها إن مضى عليها سنَة دون استهلاكها. المصانع القائمة لا تزكَّى. العمارات المؤجّرة لا تزكَّى أعيانها، إنّما تزكّى أجرتها إذا مضى عليها سنَة بعد عقد الإجارة، أمّا أعيانها فإنّها لا تزكَّى إلا إذا كانت معدَّةً للتجارة، فتقوّمها عند رأس الحول. الأراضي المختلِفة تزكّى إلاّ إذا اشتريتَها واقتنيتَها لأجل سكنٍ عليها أو لأجل استثمارها، أمّا إذا كان الشراء لقصد الانتفاع من قيمتِها عند غلاءِ السّعر فهذه تزكَّى، فإنّها عروض تجارة.

أيّها المسلم، هذه الزّكاة أمانةٌ عندك، والله سائلك عنها: هل أخرجتَها كاملةً؟ هل أوصلتها وأدّيتَها إلى مستحقّيها؟ فإنّ الله تعالى لم يترك الزّكاةَ لأمورِ الخلق، ولكنّه تعالى قسمها بنفسه، فلم يكِلها إلى ملَك مقرَّب ولا نبيّ مرسَل، قال تعالى: إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]. فقسّم الله الزكاةَ إلى هؤلاء الأصنافِ، فهم محلّ الزّكاة: الفقراء الذين لا يجِدون كفايةً أو يجدون ولكن أقلّ من كفايتِهم فيعطَون من الزّكاة ما يكفيهم لعامِهم، المسكين الذي يجِد نصفَ كفايته ونحو ذلك يُعطَى ما يكمّل به كفايتَه، هؤلاء الفقراء والمساكين يُعطَون من الزّكاة ما يكفيهم، شريطةَ أن يكونوا عاجزين عنِ العمل، لا قدرةَ لهم على الاكتساب، ولا يستطيعون التحرّك، فإن كانوا قادرين على العمل بأبدانهم، أصحّاءَ الأبدان، قادرين على الاكتساب، فلا ينبغي أن نعينَ الكسلانَ على كسلِه.

نبيّنا أرحم الخلق بالخلق جاءه رجلان يسألانِه الصّدقة، فقلِّب فيهما النّظر، فرآهما جلدَين أي: قويّين، قال: ((إن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسِب))[6]، وقال أيضًا: ((لا تزال المسألة بأحدِهم حتّى يلقى الله وليس في وجهِه مزعة لحم))[7]، وقال أيضًا : ((مَن سأل النّاس تكثُّرًا فإنّما يسأل جمرًا، فليستقلَّ أو ليستكثِر))[8]، وقال: ((إنّ هذا المال حلوَة خضِرة، فمن أخذه بسماحةِ نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشرافِ نفسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان كمن يأكل ولا يشبَع))[9].

أيّها المسلم، ويُعطَى من الزّكاة الغارمون، والغارمون هم [أولاً: من] غرِم لمصلحة الأمّة، بأن أصلحَ بين الفئاتِ المتنازعة والقبائل المتناحِرة، ودفع من مالِه ما أصلحَ به الخلاف، فيُعطَى لأنّ أمرَه عامّ، حتى ولو كان غنيًّا. ثانيًا: مَن غرِم لمصلحةِ نفسه، فتحمّل ديونًا في ذمّته، فيُعان من الزّكاة ما يقضِي به دينَه، ولكن لا ينبغي أن نعوِّدَ من يتلاعب بحقوق النّاس ويستدين ويُهمل، وإنّما يُعطَى من استدان لأمرٍ ما لأجل الضرورة والحاجة، فهذا هو الغارم الذي يُعطَى من الزّكاة ما يعينه على قضاء دينِه.

أيّها المسلم، ويُعطَى ابن السّبيل الذي انقطع عن بلدِه ما يوصِله، ويعطَى في سبيل الله المجاهدون لإعلاء دين الله.

قال العلماء: الزكاة لا تُبنَى بها المساجد، ولا تُطبَع منها الكتب، ولا يكفّن منها الموتى، ولكنّها لأصنافٍ خاصّة يجب أن نقتصِر على ذلك كما بيّن الله في كتابه.

أيّها المسلم، لا يجوز أن تسقِط الدينَ في ذمّة الفقير وتعتبِره من الزّكاة، لأنّ الزكاة أخذٌ وإعطاء.

أيّها المسلم، خُصَّ بزكاتِك ذوي الحاجات الذين قال الله فيهم مبيِّنًا حالَهم: يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لاَ يَسْـئَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273]، وفي الحديث: ((ليس المسكينُ الذي تردّه اللّقمة واللّقمتان، إنّما المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطَن له فيتصدّق عليه، ولا يسأل النّاس فيعطوه))[10]. هذا هو المسكين الذي لا يعرف النّاس حالَه، والذي لا يسأل، والذي لا يجِد ما يغنيه.

أيّها المسلم، احذَر من هؤلاء الذين يتعلّلون ويظهِرون عاهاتٍ وأمراضًا والله معافيهم منها، فإنّ إعطاءَهم عونٌ لهم على جريمتهم.

أيّها المسلم، خُصَّ بزكاتك أقاربَك الفقراء من أرحامِ أمّك وأبيك، فإن وُجد فيهم فقير فهو أحقّ بها من غيره لأنّه قال: ((الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم اثنتان: صدقة وصِلة))[11].

ابحَث عن المعوِزين من أيتامٍ وأرامل وعاجزين عن العملِ حتّى تقع الزكاة موقعَها بتوفيقٍ من الله.

أيّها المسلم، اشكر الله على أن جعلك يدًا معطيَة، ولم تكن يدًا آخذة، اشكر الله على فضلِه وإحسانه، واحمده على توفيقه وإعانتِه لك في إخراج زكاة مالك، فإنّها بلاء، والشيطان يثبِّط ابنَ آدم عن هذا، ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَاء وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268].

أدِّ زكاةَ مالك، وحاسب قبلَ أن تُحاسب على ذلك، قبل أن تُحسَب عليك يومَ لقاء الله، واحذَر البخلَ والشحّ بها، فإنّ هذا بلاء عظيم.

اسمَع ـ أخي المسلم ـ الوعيدَ الشّديد لمن تهاون بأمرِ الزّكاة، يقول الله جلّ وعلا: وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ [آل عمران:180]، شجاعٌ أقرع يأخذ بلِهزمَتيه يقول: أنا كنزُك أنا مالك، والله يقول: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34، 35].

بيّن النبيّ ذلك بقوله: ((ما مِن صاحبِ ذهبٍ ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأحمِيَ عليها في نار جهنّم، فيكوَى بها جنبه وجبينه وظهرُه، كلّما بردت أعيدَت عليه، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ حتى يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار))، قالوا: فالإبل يا رسول الله؟ قال: ((ولا صاحب إبِل لا يؤدّي منها حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة بطِح لها بقاعٍ قَرقَر، لا يُفقد منها فصيل واحد، تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفواهها، كلّما مرّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنة حتى يرى مصيره إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار))، قيل: فالبقر والغنم؟ قال: ((ولا صاحب بَقر ولا غنمٍ لا يؤدّي منها حقّها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح لها بقاعٍ قرقر، ليس فيها عقصاء ولا جَلحاء ولا عضباء، تنطحُه بقرونِها وتطؤه بأظلافِها، كلّما مرّ عليه أولاها رُدَّ عليه أُخراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنة حتى يرى مصيرَه إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار))[12].

فيا مَن منَّ الله عليه بالمال، احمَد الله وأدِّ الحقَّ الواجب، ولا تتهاون فتلقى الله بالتّبِعات، فينتفعُ به غيرك وتشقى به يومَ القيامة عياذًا بالله من الخسران.

أدّوا زكاةَ أموالكم، وأوصِلوها إلى المستحقّين، واتّقوا الله في هذا كلِّه لعلّكم تفلحون، يقول الله جلّ وعلا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـوٰةِ فَـٰعِلُونَ [المؤمنون:1-4].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.


 



[1] أخرجه مسلم في البر (2588) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الإيمان (8)، ومسلم في الإيمان (16) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بنحوه.

[3] أخرجه الطبراني في الأوسط (1963) والكبير (10/128)، وابن عدي في الكامل (6/341)، وأبو نعيم في الحلية (2/104، 4/237)، والقضاعي في مسند الشهاب (691)، والبيهقي في الكبرى (3/382) عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال البيهقي: "إنما يعرف هذا المتن عن الحسن البصري عن النبي مرسلا"، ورجح إرساله ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/494)، وقال المنذري في الترغيب (1/301): "المرسل أشبه"، وقال الهيثمي في المجمع (3/64): "فيه موسى بن عمير الكوفي وهو متروك"، وأورده الألباني في ضعيف الترغيب (456).

[4] أخرجه أبو داود في الزكاة (1562)، والبيهقي في الكبرى (4/146)، وضعفه ابن حزم في المحلى (5/234)، والهيثمي في المجمع (3/69)، والألباني في تعليقه على المشكاة (1811).

[5] أخرجه البخاري في الزكاة (1464)، ومسلم في الزكاة (982) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه أحمد (17972)، وأبو داود في الزكاة (1633)، والنسائي في الزكاة (2598)، والبيهقي في الكبرى (7/41) عن عبيد الله بن عدي أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي يسألانه من الصدقة... الحديث، قال أحمد ـ كما في التلخيص (3/108) ـ: "ما أجوده من حديث"، وصححه الألباني في الإرواء (876).

[7] أخرجه البخاري في الزكاة (1475)، ومسلم في الزكاة (2540) واللفظ له من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[8] أخرجه مسلم في الزكاة (1041) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] أخرجه البخاري في الزكاة (1472)، ومسلم في الزكاة (1035) من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه.

[10] أخرجه البخاري في الزكاة (1479)، ومسلم في الزكاة (1039) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[11] أخرجه أحمد (4/214)، والترمذي في الزكاة (658)، والنسائي في الزكاة (2582)، وابن ماجه في الزكاة (1844) من حديث سلمان بن عامر رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (3514)، والحاكم (1/431-432)، ووافقه الذهبي، لكن في السند الرباب بنت صليع الضبية الراوية عن سلمان، قال الذهبي في الميزان (7/468): "لا تعرف إلا برواية حفصة بنت سيرين عنها"، وقال ابن حجر في التقريب (8582): "مقبولة".

[12] أخرجه مسلم في الزكاة (987) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أمّا بعد: يقول الله جلّ وعلا في كتابه العزيز: قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104].

هذه الآية عندما يتأمّلها المسلم ويتأمَّل بعضَ أحوال النّاس الذين سعيُهم في ضلال وخسَارة، وتصرُّفاتهم كلّها تصرّفات باطلةٌ وتصرّفات تخالِف شرعَ الله ودينَه، ومع هذا يظنّون أنّهم يحسِنون صُنعًا، ويحسبون أنّهم على حقّ، والواقع أنّهم على باطلٍ وضلالة، فمِن المصيبة انتكاسُ الفِطَر، وأنّ العبدَ يرى الباطل حقًّا والحقّ باطلاً، أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَنًا فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء [فاطر:8].

إذا انتكسَت الفطرة فرأى الباطلَ حقًّا ورأى الحقّ باطلاً فتلك المصيبة العظيمةُ والبليّة الكبيرة، أن يتصوّر الباطل والسعيَ في الباطل، يتصوّر أنّه حقّ، وأنّه على هدًى في تصرّفاته، ولا يعلم المسكين أنّ تصرفاتِه كلَّها خاطِئة خارجة عن منهج الله، سعيٌ في الأرض فسادًا.

أيّها المسلم، إنّ الله جلّ وعلا من حكمتِه أن يكشفَ أهلَ الإجرام على حقيقتهم، وأن يبيّن باطلَهم، فمن أسرّ سريرةً ألبسه الله رداءَها علانية، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًّا.

هؤلاء الذين اعتنقوا هذه المبادئَ الهدّامة والأفكار السيّئة والآراء الشاطّة الخارجَة عن منهج الله، تبيّن فسادُ تصوّرهم ونواياهم السيّئة، وذلك أنّهم أتوا إلى أشرفِ بقعةٍ على وجه الأرض، التقى فيها فئاتٌ كثيرة من المسلمين، صائمون مصلّون مطيعون، فأرادَ أولئك المجرمون أن يكدِّروا على أهلِ الخير خيرَهم، وعلى أهل العبادةِ عبادتَهم، وعلى أهلِ الصّفاء والخير صفاءَ نفوسهم وطيبَ قلوبهم، لماذا اختاروا هذه البقعة المشرّفة وهذا المكان الطاهر؟ ألِخيرٍ يريدون؟ لا والله، ليس لهم هدفٌ صالح ولا مقصَد حسن، ولكن الشيطان استحوَذ عليهم، فأنساهم ذكرَ الله وصدّهم عن طريقِ الله المستقيم.

ليحذَر المسلم أن يتمادَى في خطئِه، وأن يتمادى في ضلالِه، وأن يلجّ في طغيانِه، ليحذر المسلم أن يلقَى اللهَ على هذا المنهجِ السيّئ والفكر الخاطئ.

إنّ احترامَ الدماء واحترامَ الأموال والأعراض وأمنِ الأمّة أمر مطلوب من كلّ مسلم، وإنّ من يسعى في الأرض فسادًا ويساعِد المجرمين ويكون مطيّةً لأعداء الإسلام ليقضُوا به وطَرَهم وينفّذوا عليه أغراضَهم لدليلٌ على ضعفِ إيمانه وقلّة بصيرته.

أيّها المسلم، إنّ الله حرّم دماءَ الأمّة وأموالها، ((إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام))[1].

هؤلاء الفئةُ المجرمة انتهى ببعضهم المطاف إلى أن قتلوا أنفسَهم والعياذ بالله، وعجّلوا بأنفسِهم لعذاب الله، ومن قتل نفسَه بشيءٍ عُذِّب به يومَ القيامة، وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].

فلفسادِ التصوّر وقلّة الإيمان وضعفِ البصيرة أقدَموا على ما أقدموا عليه، هذا والعياذ بالله دليلٌ على فسادِ القلوب ومرضِها وأنّ الباطل تركَّز في نفوسهم حتّى ظنّوا أنّ الباطلَ والفساد حقّ وصلاح، والله يقول: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا [الأعراف:56].

فليستيقِظ المسلم من غفلتِه، وليتُب إلى ربّه، وليتب إلى الله من خطئِه وزلَلِه، وليُعِد محاسبةَ نفسه، هل هذا الطريق الذي سلكه طريقٌ يحبّه الله ورسوله أم طريق يبغِضه الله ورسوله؟ ومن تدبّر وتعقّل بإيمان وبصيرة علِم أنّ هذه الطّرق طرقُ بلاءٍ وفساد وشرّ وفِتنة والعياذ بالله، وأنّها أمور تخضَع لأعداءِ الإسلام، يسيّرونَهم كيف يشاؤون، يأمرونهم بما لا خيرَ فيه، فلِضعف البصيرةِ تصوّروا الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلاً.

فليحذَر المسلم، وليعلَم أنّ هذه الفتنَ والبلايا إنّما تصدر ما بين جاهلٍ لا يميّز حقًّا من باطل وما بين ـ والعياذ بالله ـ مَن امتلأ قلبه حِقدًا وكراهية للإسلام وأهلِه، غاظه ما يرى مِن أمنٍ واستِقرار ورَغدٍ وطمَأنينة، فيريد ـ والعياذ بالله ـ أن يجعلَ بلادَ الإسلام تعيش فوضًى وفِتنًا، كما حلّ بغيرهم من هذه البلاد، ولكن نسأل الله أن يوفّق الجميعَ لما يرضيه، وأن يعينَ قادةَ الأمّة وأن يوفّقهم للقيام بالواجب، وأن يعينَهم على كلّ خير، ويرزقَهم دائمًا اليقَظة والانتباهَ لاحتواءِ هذه الأخطار وللقضاء على أهلِها، حتّى يكفّ شرُّهم ويسلَم المسلمون من ضررِهم.

لا بدّ للمسلم إذا علِم من بعض أولئك أن يبيِّن له الحقَّ ويحذّره من اللّجاج في الباطل، ويبيّن له حرمةَ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وأنّ السعيَ في الفساد ليسَ مِن الإيمان، بل منهجٌ بعيد عن منهجِ الحقّ والهُدى، ففي شهرِ رمضان شهرِ الصّيام والقيام وتلاوة القرآن يسعى المسلم في الخير، ويدعو إلى الخير، لا يكون في هذا الشّهر عونًا للمجرمين، وعونًا للمنحرفين، وعونًا للمفسدين، لا، بل المسلم بعيدٌ كلَّ البُعد عن هذا، ((المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويدِه، والمؤمن من أمِنه المسلمون على دمائهم وأموالهم))[2].

فنسأل الله أن يوفّق المسلمين جميعًا للفِقه في دينه، وأن يجنِّبهم هذه الآراء الشّاطّة والأفكار المنحرِفة التي لا صِلة لها بدينِنا، لا صلةَ لها بإسلامنا، بل ديننا براءٌ من هذه الأمور كلِّها ومن أهلِها، لأنّها أمور تخالف الشرع، لا يرتاب مسلم في هذا، أنّها أمور تخالِف الشرع، وأنّها معصية لله ورسوله، وأنّه اعتناق لمذهب الخوارجِ المنحرف الذين استحلّوا دماءَ المسلمين وأموالَهم بمجرّد أخطاء زعموا أنّها أخطاء ومخالفة، وكلّ هذه فرقٌ ضالّة، المسلم دائمًا يسعى في الخير جُهدَه، ويأمر بالخير جهدَه، وينهى عن الشرّ جهدَه، لكنّه لا يعرّض الأمّة للأخطاء، ولا يسعى في الأرض فسادًا، بل هو المصلح والدّاعي إلى الخير، متجنّب للفساد، يأمر بالخير ويدعو إليه، هكذا حال المؤمنِ الصّادق.

نسأل الله للجميع الثباتَ على الحقّ والاستقامةَ على الهدى، وأن يجنِّب بلادَ المسلمين الفتنَ ما ظهر منها وما بطن.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربكم: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهمّ عن خلفائه الراشدين...

 



[1] أخرجه مسلم في الحج (1218) من حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي .

[2] أخرجه أحمد (2/379)، والترمذي في الإيمان (2627)، والنسائي في الإيمان (4995) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (180)، والحاكم (22)، وهو في صحيح سنن الترمذي (2118)، والجزء الأول منه في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو وأبي موسى وجابر رضي الله عنهم.

 

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً