.

اليوم م الموافق ‏02/‏محرم/‏1436هـ

 
 

 

الغيبة

1221

الرقاق والأخلاق والآداب

آفات اللسان

محمد بو سنه

عين النعجة

مبارك الميلي

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1 – التنفير من الغيبة 2 – تعريف الغيبة 3 – الأسباب الدافعة إلى الغيبة 4 – متى تجوز الغيبة 5 – ضوابط الغيبة الجائزة

الخطبة الأولى

أما بعد:

فإن من أخطر آفات اللسان التي شاعت بين الناس حتى صارت فاكهة كثير من المجالس: غيبة المسلمين والطعن في أعراضهم، وهو أمر قد نهى الله تعالى عنه ونفر عباده منه ومثله بصورة كريهة تتقزز منها النفوس فقال جل وعلا: ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ولما كان الكثير من الناس لا يعرفون معنى الغيبة ولا يقدرون خطورتها، وتراهم يتساهلون فيها وجب التذكير بها وبيان بعض أحكامها قياماً بأداء حق النصح والتذكير لي ولإخواني، عسى الله أن يصلح ألسنتنا من الغيبة ومن جميع آفات اللسان.

فاعلم يا عبد الله أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره، وهو غائب عنك سواء ذكرته بنقص في بدنه كأن تقول: هو قصير أو طويل أو أسود أو أقرع أو ذكرته بنقص في نسبه بأن تقول فيه: أبوه فاسق وأمه فاسقة أو تذكره بنقصاً في خلقه كأن تقول فيه: سيء الخلق بخيل متكبر، شديد الغضب، جبان، متهور أو ذكرته بنقص في أفعاله كقولك فيه: هو سارق كذاب شارب خمر ظالم عاق لوالديه ونحوه، وقد بين معنى الغيبة النبي بقوله: ((أتدرون ما الغيبة قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد إغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)) لا كما يقول بعض من يغتاب الناس إذا قلت له: اتق الله لا تغتب أخاك قال: هذه ليست غيبة إني أقول فيه شيئاً هو حقاً ولا أزيد عليه، فقل له ما قال عليه الصلاة والسلام: ((إن كان فيه ما تقول فقد إغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)) أي كذبت عليه، فالغيبة أيها الناس محرمة بالإجماع، وهي من الكبائر التي يجب التوبة منها إلى الله تعالى، وهناك أسباب تبعث الإنسان وتدفعه لأن يغتاب أخاه، منها أن يشفي غيظه بأن يجري من إنسان في حق إنسان آخر سبب يهيج غيظه فكلما هاج غضبه تشفى بغيبة صاحبه، وعلاج هذا السبب ودفعه أن يتذكر يا عباد الله قول الله تعالى:  وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين وتذكر قوله : ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور ما شاء))، ومن الأسباب الدافعة والباعثة على الغيبة موافقة الزملاء ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الغيبة، فإنه يخشى إن أنكر عليهم أن يكرهوه فيجب على من كان حاضراً في مجلس فيه غيبة أن ينهي عن هذا المنكر ويدافع عن أخيه المغتاب فقد رغب في ذلك النبي فقال: ((من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة)) وإن خفت أن يستغلك الرفقاء ويكرهوك لأنك لم توافقهم على غيبتهم فتذكر دائماً قول نبيك محمد : ((من التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله الى الناس)).

ومن الأسباب الدافعة الى الغيبة أن يريد الإنسان أن يرفع نفسه بتنقيص غيره فيقول مثلاً فلان جاهل وفهمه ركيك، وهو يريد أن يفهم الناس أنه هو العالم، وأن فهمه هو الصحيح فعلاج ذلك يتم بأن تعتقد يا عبدالله أن ماعند الله تعالى خير وأبقى، وأن هذا العبد الذي تريد غيبته ربما يكون عند الله تعالى أفضل منك، وإنك حيث تذكره من خلفه بما يكره ترفعه وتخفض نفسك عند الله تعالى، وما أكثر الذين يغتابون الناس لأجل اللعب والهزل فيذكر أحدهم غيره بما يضحك به الآخرين على سبيل الحكاية، فلا تنس يرحمك الله قوله عليه الصلاة والسلام: ((ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له))، وقد يغتاب الإنسان من أجل الحسد لشخص آتاه الله من فضله حتى ينزل قدره من قلوب الناس ويبغضه لهم فليتدبر الحاسد قوله : ((لايجتمع الإيمان والحسد في قلب عبد)) وليتذكر الحاسد أنه بهذه الغيبة يجعل المحسود فوقه يوم القيامة لا في الدنيا وحسب.

ومن الأسباب الدافعة للغيبة أيضاً كثرة الفراغ والشعور بالملل، فيشتغل بالناس والطعن في أعراضهم واتباع عيوبهم، ويتم علاج ذلك بأن يقضي المرء أوقاته في الطاعات والعبادات والعلم والتعلم، ومن البواعث على الغيبة التقرب لدى أصحاب الأموال والمسؤولين، وذلك عن طريق الطعن في العاملين معه ليرتقي الى منصب أفضل أو لينال شيئاً من متاع الدنيا، وعلاج ذلك يتم بأن يتذكر المسلم الآيات والآحاديث التي تكلمت عن الرزق ويتدبرها جيداً وإنه لا ينال ما عند الله بما حرم الله تعالى.

       

 


 

الخطبة الثانية

علمت يا عبدالله أن الغيبة محرمة بالإجماع وإنها كبيرة من الكبائر تجب التوبة منها إلى الله تعالى، فاعلم أنه لاتباح الغيبة ولا تجوز إلا لغرض شرعي صحيح لايمكن الوصول إليه إلا بالغيبة، من ذلك: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم الى القاضي أو الى من له قدرة وولاية على إعطائه حقه من ظالمه فيقول: ظلمني فلان بكذا، ودليل ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح (أي بخيل) وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وتباح الغيبة عند الإستفتاء كأن يقول للمفتي: ظلمني أخي فما هو طريقي في الخلاص منه، وتباح الغيبة عند الإستعانة على تغيير منكر أو دفع بلاء من مسلم، كما فعلت هند مع النبي في شأن زوجها.

وتباح الغيبة أيضاً عند تحذير المسلمين ونصحهم من أصحاب الشر الذين يضرون غيرهم، بل قد تكون الغيبة واجبة اذا تعلق الأمر بالدفاع عن حديث رسول الله من أولئك الكذابين المجروحين الذين يختلقون أحاديث من عندهم وينسبونها ظلماً وزوراً الى رسول الله ، ومن ذلك أيضاً المشاورة في أمور الزواج أو المشاركة في مشروع أو المجاورة في المسكن، كأن يطلب منك ولي البنت رأيك في شاب تقدم لخطبتها فيجب عليك أن تذكره بما تعرف ولا يعد ذلك غيبة وقد ثبت في الحديث قوله : ((ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) أي مطل الغني وهو الذي يؤجل موعد تسديد الديون مرة بعد الأخرى، وكذلك تباح غيبة الذي يجهر بفسقه أو المبتدع ببدعته فعرضه هدر، لأنه استهان بربه وهتك حرمته وستره فجدير به أن يجازى بمثل عمله، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إستأذن رجل على رسول الله فقال: ((أئذنوا له بئس أخو العشيرة))، فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟ قال: ((إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه)) قال النووي رحمه الله تعالى: أحتج البخاري بهذا الحديث على جواز غيبة أهل الفساد والريب.

ومن الأمور التي تبيح الغيبة التعريف بالإنسان إن كان معروفاً بلقب معين كالأعوج والأعمى، ولكن لايحل إطلاقه على وجه التحقير والتنقيص، وإن أمكن تعريفه بغير ذلك كان أفضل والدليل قوله : ((أن رجلاً يأتيكم من اليمن، يقال له أويس لا يدع اليمن غير أم له قد كان به بياض- أي برص- فدعا الله تعالى فأذهبه عنه الا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم))، ثم أعلم أخي المسلم أن هذه الأمور التي تبيح لك الغيبة ينبغي أن تضبطها بما يلي:

-       الإخلاص لله تعالى في النية، فلا تقل ما أبيح لك من الغيبة تشفياً أو نيلاً من أخيك أو تنقيصاً منه.

-       إن أمكنك أن لا تذكر الشخص بإسمه فافعل إلا ما دعت اليه الحاجة.

-       أن تذكر أخاك بما فيه لما يباح لك، ولا تفتح لنفسك باب الغيبة فتذكر ما تشتهي نفسك من عيوبه.

-       أن تتأكد بهذه الغيبة وقوع مصلحة شرعية وإلا فلا.

-       ثم اعلم أخيراً أن هناك أموراً يظنها الإنسان أنها ليست غيبة ولكنها في حقيقة الأمر غيبة، فقد يغتاب الرجل أخاه وإذا أنكر عليه قال: أنا مستعد أن أقول ذلك أمامه فيرد على هذا بأنك ذكرته من خلفه بما يكره مما فيه، وهذه هي الغيبة التي بينها رسول الله ، وأما إستعدادك للحديث أمامه فأمر آخر مستقل لم يأت فيه دليل يبيح لك أن تذكره من خلفه بما يكره.

-       كذلك قول القائل في جماعة من الناس عند ذكر شخص ما نعوذ بالله من قلة الحياء أو نعوذ بالله من الضلال أو هدانا الله وإياه فإنه بذلك يجمع بين غيبة ذلك الشخص ومدح النفس.

-       كذلك من الغيبة غيبة الصغير، ولا يصح قولهم: هذا صغير تجوز غيبته، فأين الدليل على ذلك، بل النصوص جاءت عامة في الكبير والصغيرة.

-       كذلك من الغيبة التساهل في غيبة العاصي مطلقاً سواء جهر بالمعصية أولا، لأن قول النبي : ((الغيبة ذكرك أخاك بما يكره)) يشمل المسلم الطائع والعاصي.

أيها الناس: بعد ما علمتم هذا الداء الغيبة وخطرها وأنها من كبائر الذنوب وجب عليكم أن تحذروا منها وأن يشتغل كل واحد منا بعيبه وإصلاح نفسه ولا نشتغل بعيوب غيرنا فربما نعيب الناس ونحن أكثرهم عيباً، فالواجب على كل واحد منا إن كان صادقاً في قوله مخلصاً في نصحه اذا وجد في أخيه عيباً أن يتصل به ويناصحه من يغتاب إخوانه المسلمين أن يمنعه ويدافع عن أعراض إخوانه فإن النبي قال كما سمعتم آنفاً ((من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة)).

أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يجنبنا الغيبة والطعن في أعراض الناس وأن يصلح ألسنتنا بما ينفع وأن يرزقنا لساناً ذاكراً وقلباً خاشعاً وعملاً متقبلاً.

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً