.

اليوم م الموافق ‏27/‏ذو الحجة/‏1435هـ

 
 

 

شكر النعم

340

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

عبد الحميد بن جعفر داغستاني

مكة المكرمة

17/1/1405

ابن حسن

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- النعم تستوجب الشكر. 2- نعم الله لا تحصى وأعظمها الإسلام. 3- تعداد لبعض نعم الله. 4- كيفية حفظ هذه النعم وشكرها.

الخطبة الأولى

أما بعد :

فإن الفرد منا لو أحسن إليه أحد من العباد فأخرجه من ضائقة أو قضى له حاجة، أو أعانه على أمر، أو حتى عامله بلطف، فإنه لا يعرف كيف يشكره ويرد جميله، بل قد يقول له: إني عاجز عن الشكر، وإن لك علي لفضلا.

 هذا مع عبد من العباد وفي أمر يحصل على قلة وقد لا يتكرر ، فكيف يكون موقفنا مع رب الأرباب ذي الطول والحول العزيز الوهاب ؟! الذي يقول: وءاتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها [إبراهيم:34]. وقال تعالى: وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة [لقمان:20]. يخبرنا سبحانه وتعالى أنه لا سبيل لعد وحصر نعمه فهي كثيـرة متتابعـة.

 لكننا سنعيش مع بعض منها لنشكره جل وعلا إذ يقول: وسنجزي الشاكرين [سورة آل عمران:145]. والشكر طريق الزيادة: لئن شكرتم لأزيدنكم [إبراهيم:7].

إن من أعظم النعم نعمة الإسلام وإكمال الدين إذ بها صلاح الدارين ويمتن المولى علينا فيقول: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً        [المائدة:3]. ومن النعم علينا نعمتا الأمن من الخوف ، والإطعام من الجوع ، ولا يعرف قدر هاتين النعمتين إلا من فقدهما، ومن نظر إلى الأمم من حوله فكم من حروب دمرت ونسفت، وكم من مجاعات أكلت وأبادت، ومن النعم اكتمال حواسنا من سمع وبصر وأفئدة: قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون [الملك:23].

ومن نعمه سبحانه سعة ذات اليد فالنبي يقول: (( من أصبح منكم آمنا فـي سربـه، معافـاً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ))(5) أو كما قال فليس منا اليوم أحد إلا وعنده قوت أسبوعه أو شهره، بل قل سنته أو سنواته، ولا ننسى نعمة الزوج والذرية إن صلحت .

ويعجب البعض لو علم أن نعم الله لا تنفك عنا حتى في المصائب فمن نعمه سبحانه في المصيبة إن اتصفنا بصفات الصابرين رفع الأجر، ووضع الوزر، وكونها ليست في الدين، وكونها يدفع بها بلاء أعظم منها، وكونها مقدرة وقد وقعت وانتهت .

إنها نعم كثيرة عظيمة فكيف السبيل إلى حفظها ، وبم نقيدها إنه يا عباد الله الشكر:  فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة:152]. والشكر يكون بالجنان وباللسان وبالجوارح، بالجنان بإسناد النعمة إلى منعمها وبقصد الخير وإضماره لكافة الخلق.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده عليها ، وما أذنب عبد ذنباً فندم عليه إلا كتب الله له مغفرة قبل أن يستغفره، وما اشترى عبد ثوبا بدينار أو نصف دينار فلبسه فحمد الله عليه إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له ))(1)

وشكر باللسان بقوله الحمد لله في مبدأ أمرنا ، فكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع – أي ناقص – وفي آخر أمرنا إذ يقول المصطفى : (( إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها ))(2) رواه مسلم. ونشكره كذلك في سائر أحوالنا وقليل من عبادي الشكور [سبأ:13]. ويكون شكر الله بجوارحنا بعبادته كما أمر ابتعاداً عن النواهي، وفعلاً للأوامر، وبإظهار نعم الله علينا بلسان الحال والمقال، فالله يقول: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى:11]، يقول أحد الصحابة: (( أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة ، قال : هل لك من مال؟ قلت : نعم . قال : من أي المال ؟ قلت : من كل ، من الإبل والخيل والرقيق والغنم . قال : فإذا آتاك الله مالاً فلير عليك ))(5) والله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده دون عجب ولا غرور أو كبر .

إنه لا يمكن أن نؤدي شكر الله، ولكن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها وهذه نعمة أخرى فهو سبحانه أنعم علينا بما هو من قدره ويقبل شكرنا على قدر طاقتنا وقدرتنا، فلنر الله من أنفسنا خيراً.

اللهم لك الحمد أولاً وآخراً ، ونشكرك اللهم ولا نكفرك، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .


 



(5) أخرجه البخاري في الأدب المفرد حديث رقم <<300>> وأخرجه الترمذي في سننه : كتاب الزهد ، باب في التوكل على الله 4/ 574 ، وابن ماجه في

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 514 وقال: لا أعلم في إسناده أحدا ذكر بجرح ولم يخرجاه  .

(2) صحيح مسلم : كتاب الذكر والدعاء ، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب 17/ 51  .

(5) أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 25 . وأخرجه أحمد في المسند 4/ 137 .

    بنحوه والنسائي في السنن : كتاب الزينة باب في الجلاجل ت8/ 179 .

    بنحوه .

الخطبة الثانية

الحمد لله ذي الجلال والإكرام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالربوبية على الدوام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله قام بشكر ربه حق القيام، صلوات ربي عليه وأزكى تحية وسلام ، وبعد :

فإننا لما عرفنا مقام الحمد والشكر وأهميته نتعرض لمقام أعيذ نفسي وإياكم منه، وهو مقام كفران النعم، فبقدر عظم فضل الشكر يكون عظم جرم الكفر، وأعني بالكفر هنا كفران النعم .

إن من كفر النعم ازدراء نعمة الله علينا، وانتقاصها، وهذا من خصال النفس الدنيئة الطماعة التي لا تشبع ولا تقنع بل تحب أن تجمع وتجمع.

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( إذا أحب أحدكم أن يعلم قدر نعمة الله عليه فلينظر إلى من هو تحته ولا ينظر إلى من هو فوقه ))(1) وعنه كذلك رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله ))(2) فينبغي أن ننظر إلى من هو أسفل منا في أمور الدنيا.

 أما إلى أمور الدين فننظر إلى من هو أعلى منا لأن الدنيا ضيقة والآخرة فسيحة واسعة: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [المطففين:26].

ومن مظاهر كفران النعم ما نراه أحياناً من ممارسات خاطئة، فالذي يقود سيارته بسرعة جنونية ولا يتورع عن القيام بحركات بهلوانية، والذي يستغل الهاتف – وهو من النعم العظيمة – في إيذاء خلق الله، والذي يرزقه الله ذرية فلا يهتم بتربيتها، والذي يؤتيه الله مالاً فلا يخرج حقه وزكاته، ولا يتطوع بفضوله، والذي يعطيه الله جاها ومنصباً فيستغله في أغراضه الخاصة وفي إذلال الناس، كل واحد من هؤلاء يمارس نوعاً من كفران النعم .

والذي يسرف في مأكله ومشربه فيلقي بفضولها في الطرقات والشوارع يمثل نوعاً من كفر النعم، إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد كسرة ملقاة فأخذها ومسحها ثم أكلها وقال: ((… يا عائشة أكرمي كريماً ، فإنها ما نفرت عن قوم قط فعادت إليهم ))(2)

ولا ننسى مظاهر الإسراف في المفروشات والسفريات والحفلات وفي إقامة القصور والعمارات، وقد ضرب الله لنا مثلاً بليغاً لقوم يتفكرون، وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة [النحل:112] الآية .

وقد يظن الجاهل أن تقلبه في نعم ربه دليل رضاه عليه، وإن أسرف وعصـاه، وليـس كذلك ، يقول سبحانه: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون [القلم:44].

قال بعض المفسرين في هذه الآية: ( أي نصب عليهم النعم ونمنعهم الشكر ) وقال آخرون: ( كلما أحدثوا ذنباً أحدثت لهم نعمة ).

 وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:  قال رسول الله : (( إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ، ثم تلا رسول الله فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون  [الأنعام:44](6).

ولا يظن أحد أن الشكر هو بقول الحمد لله والشكر لله فقط، فقد أسلفنا وبينا كيف يكون الشكر. فالشكر يكون باللسان والجوارح والجنان.



(1) أخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد ص 502 ، حديث رقم << 1433>> .

(2) أخرجه مسلم في صحيحه : كتاب الزهد 18/ 97 .

(2) أخرجه ابن ماجه في سننه : كتاب الأطعمة ، باب النهي عن إلقاء الطعام 2/ 112 . وفي رواية لابن أبي الدنيا : حسن جوار نعم الله عز وجل الشكر ، ص 12 .

(6) أخرجه أحمد في المسند  4/ 145 .

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

كما نرجو كتابة رقم هذه الخطبة مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة

عدد الزوار حالياً