عباد الله، إن يومكم هذا يوم الحج الأكبر، وهو عيد الأضحى والنحر، هو يوم الحج الأكبر لأن الحجاج يؤدون فيه معظم مناسك الحج، وهو عيد الأضحى والنحر لأن الناس يضحون فيه وينحرون هداياهم، وما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، وإن للمضحي بكل شعرة حسنة، وبكل صوفة حسنة، وهذه الأضاحي سنة أبيك إبراهيم ونبيكم محمد عليهما الصلاة والتسليم، وإنها لسنة مؤكدة، يُكره لم يقدر عليها أن يتركها. فضحوا ـ أيها المسلمون ـ عن أنفسكم وعن أهليكم متقربين بذلك إلى ربكم، متبعين لسنة نبيكم محمد حيث ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن كان منكم لا يجد الأضحية فقد ضحى عنه النبي ، جزاه الله خيرًا عن أمته.
واعلموا ـ يا عباد الله ـ بأن الشاة تجزئ عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة، فلا يشترك شخصان في شاة واحدة ولا أكثر من سبعة في بدنة أو بقرة، ولكن للإنسان أن يشرك في ثواب الأضحية من شاء سواء كانت شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة.
واعلموا أن للأضحية شروطًا ثلاثة:
الأول: أن تبلغ السن المعتبر شرعًا، وهو خمس سنين في الإبل، وسنتان في البقر، وسنة كاملة في المعز، ونصف سنة في الضأن.
الشرط الثاني: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء، وهي أربعة عيوب: العرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها، والعوراء البين عورها، والعيب الرابع: العجفاء وهي الهزيلة التي لا مخ فيها.
الشرط الثالث من شروط الأضحية: أن تقع في الوقت المحدد للتضحية شرعًا، وهو من الفراغ من صلاة العيد، والأفضل أن ينتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبتين وينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث بعد العيد، فأيام الذبح أربعة: يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وأفضلها يوم العيد.
ومن السنة نحر الإبل قائمة معقلة يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة، ويقول كما قال رسول الله : ((بسم الله الله أكبر، اللهم هذا منك ولك)). والسنة أن يأكل منها ثلثًا ويتصدق بثلث ويهدي ثلثًا.
عباد الله، قد علم الكثير منكم أن من أراد أن يُضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره وبشرته من دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي لنهي النبي عن ذلك، ولكن إذا لم يعزم أحدكم على الأضحية إلا في أثناء العشر أو بعد صلاة العيد وقد أخذ شيئًا من شعره وأظفاره وبشرته من قبل فلا بأس أن يضحي، وأضحيته تامة إن شاء الله.
ويشرع للمسلمين في جميع أقطارهم وأمصارهم التكبير عقب الصلوات الخمس من صبح يوم عرفة إلى ما بعد صلاة العصر في آخر أيام التشريق.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا اله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والإعلان والمنشط والمكره، وأُحذركم الغفلة عن ذكر الله فإنها داء خطير، والأعراض عن ذكر الله فإن عقوبته شديدة وعاجلة، كما قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، وقال تعالى في قوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:36، 37]، فأي فلاح وأي عيش لمن تخلى عنه وليه ومولاه، وتولاه عدوه ومن يريد هلاكه؟! إنه لا شيء غير حياة الخوف والهم والغم والألم، فيكون المال والولد في حقه شقاء لا سعادة، وتعبًا لا راحة، وعذابًا لا رحمة، كما قال عز وجل في قوله: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55]. فالقلب لا يهدأ والعين لا تقرُّ والنفس لا تطمئن إلا بإلهها ومعبودها الذي هو الحق، وكل معبود سواه باطل.
أيها المسلمون، إن المعاصي توهن القلب والبدن، وتزيل النعم وتجلب النقم.
عباد الله، أيام قلائل وتودعون عامًا وستستقبل الأمة الإسلامية عامًا جديدا، إنها تمر الشهور بعد الشهور والأعوام بعد الأعوام ونحن في سباق غافلون، إنه عام سيطوى سجله ويختم أعماله، فهنيئًا لمن أحسن فيه واستقام، وويل لمن أساء وارتكب الإجرام، فهلم نتساءل عن هذا العام: كيف قضيناه؟ ولنفتش كتاب أعمالنا: كيف أمليناه؟ فإن كان خيرًا حمدنا الله وشكرناه، وإن كان شرًا تبنا إلى الله واستغفرناه.
كم يتمنى المرء تمام شهره وهو يعلم أن ذلك ينقص من عمره، وإنها مراحل يقطعها من سفره، وصفحات يطويها من دفتره، وخطوات يمشيها إلى قبره، فهل يفرح بذلك إلا من استعد للقدوم على ربه بامتثال أمره؟! تجدد عامًا بعد عام، فأنتم تودعون عامًا شهيدًا عليكم وتستقبلون عامًا جديدًا مقبلاً إليكم، فبماذا تودعون هذا العام وتستقبلون العام الجديد؟! فليقف كل منا مع نفسه محاسبًا، محاسبًا نفسه عن فرائض الإسلام وأدائها، عن حقوق المخلوقين والتخلص منها، عن أمواله التي جمعها من أين جاءت وكيف ينفقها، حاسبوا أنفسكم يا عباد الله، فأنتم اليوم أقدر على العلاج منكم غدًا، فإنكم لا تدرون ما يأتي بعد الغد، حاسبوها في ختام عامكم وفي جميع أيامكم، فإنها خزائنكم التي تحفظ لكم أعمالكم، وعما قريب تفتح لكم فترون ما أودعتم فيها.
روي أن رسول الله خطب فقال: ((أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن المؤمنين بين مخافتين: أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه)).
فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الموت. فلنتذكر ـ يا عباد الله ـ بانقضاء العام انقضاء العمر، وبسرعة مرور الأيام قرب الموت، وبتغير الأحوال زوال الدنيا وحلول الآخرة، فكم وُلد في هذا العام من مولود، وكم مات فيه من حي، وكم استغنى فيه من فقير وافتقر من غني، وكم عز فيه من ذليل وذل فيه من عزيز. فاتقوا الله عباد الله، واستدركوا ما فات بالتوبة، فأيامكم معدودة، وإقامتكم في هذه الدنيا محدودة، وأعمالكم مشهودة.
أيها المؤمنون، تذكروا بهذا الاجتماع اجتماعكم يوم العرض على الله يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية، في ذلك الموقف ينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:88-96].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج:34-37].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
|