فأما بعد: فأوصي نفسي وإياكم ـ معاشر المسلمين ـ بتقوى الله امتثالا لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70-71].
أيها المسلمون، وحديث اليوم امتداد للحديث السابق عن الآفات والعلل التي تصيب بعض بني الإنسان، وكيف يحفظ الله منها.
حديث اليوم عن آفة تستنزل الفارس عن فرسه، وكما قال النبي : ((تورد الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر)) رواه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني في صحيح الجامع (4023). إنها العين، والنبي يقول: ((العين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغتسلوا)) رواه مسلم في صحيحه.
جاءت الإشارة إلى العين في القرآن الكريم على لسان يعقوب عليه السلام حين خاف على أبنائه فقال: يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف: 67].
وهكذا يفعل المؤمنون بالأسباب، ويبقى التوكّل على الله ملاذا آمنا ومعتقدا صادقا، يأخذون بالحيطة والحذر، ويؤمنون بالقضاء والقدر، ويثقون بقدرة الواحد الأحد، وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ .
وجاء في القرآن أيضا إخبار من الله إلى رسوله عن حسد الكافرين له ومحاولة إنفاذه بأبصارهم: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم: 51]. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: لَيُزْلِقُونَكَ أي: يعينونك بأبصارهم، بمعنى يحسدونك. قال ابن كثير في تفسيره (8/227): "وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة".
إخوة الإيمان، وينبغي أن يعلم أن العين إنسيّة وجنية، بمعنى أنها تصيب من الجنّ كما تصيب من الإنس، فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سفعة: ((بها نظرة، استرق لها)) رواه البخاري ومسلم. والسفعة علامة من الشيطان، وقيل: ضربة واحدة منه. والمعنى كما جاء في شرح السنة (12/163): بها عين أصابتها نظرة من الجن أنفذ من أسنّة الرماح؛ ولهذا كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان، حتى إذا نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. أخرجه الترمذي وحسنه.
عباد الله، ومع ثبوت العين وأثرها بإذن الله حتى قال عليه الصلاة والسلام: ((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين)) رواه البخاري في التاريخ وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1217) فلا ينبغي الإفراط ولا التفريط بشأنها، وكما لا يسوغ إنكارها فلا يسوغ الإسراف بشأنها ونسبة كل شيء إليها.
وفوق ما مضى من الأدلة يردّ ابن القيم رحمه الله على المنكرين لأثر العين بقوله في زاد المعاد (4/165): "فأبطلت طائفة ممن قلّ نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابا، وأكثفهم طباعا، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين".
أما المسرفون بأمر العين فتطاردهم الأوهام ويحاصرهم القلق ويضعف عندهم اليقين ويختل ميزان التوكل، أولئك يعظمون البسيط، وينسبون كلّ إخفاق أو فشل إلى العين وإن لم يكن بهم عين، وربما استدرجهم الشيطان فأمرَضهم وما بهم مرض، وأقعدهم عن العمل وما بهم علّة، ذلكم لأنّ نسبة العجز والكسل إلى الآخرين أسهل من الاعتراف به وتحمّل لوم الآخرين.
وبين هؤلاء الجفاة والغلاة تقف طائفة من الناس موقفا وسطا، تؤمن بالعين وتصدق بآثارها نقلا وعقلا، ولا تغالي فتنسب كل شيء إليها، تتقي العين قبل وقوعها، وتفعل الأسباب المأذون بها شرعا بعد وقوعها.
أيها المسلمون، وإذا كان هذا كله يقال للمعي، فيقال للعائن: اتقِ الله، ولا تضرّ أحدا من إخوانك المسلمين، وإيّاك والحسد فإنه منفذ للعين، فكل عائن حاسد، وليس كلّ حاسد عائنا، ولما كان الحاسد أعمّ من العائن كما في قوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5]، والعائن ربما فاتته نفسه أحيانا فوقعت منه العين وإن لم يردها، وقد يكون العائن صالحا، وربما أصاب أقرب الناس إليه وإن لم يقصد من والد أو ولد، ولذا يوصى المسلم عموما والعائن خصوصا بذكر الله والتبريك حينما يعجبه شيء، وتلك وصية من وصايا الحبيب المصطفى يأمرنا بها حين يقول: ((إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق)) رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والحاكم في مستدركه وهو في صحيح الجامع (1/212).
إن النفوس المؤمنة لا يفارقها الذكر، ولا ترضى للآخرين بالضر، ويصاحبها الدعاء والتبريك والشكر، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ [الكهف: 39].
على أن المسلم نفسه ينبغي أن يحتاط لنفسه، ويدفع غوائل الشر عنه ما استطاع، وإذا كانت العين سهما تخرج من نفس الحاسد أو العائن نحو المحسود والمعين فهي تصيب تارة وتخطئ تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذرا شاكيَ السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه، كذا قال العارفون.
فإن قلت: وكيف أتقي العين؟ وما أعظم سلاح ألوذ به؟
أجبت بأن الأذكار والأوراد الشرعية أعظم ما يحفظ الله بها الإنسان، فاسم الله الأعلى لا يضر معه شيء، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق] و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [سورة الناس] ما تعوذ متعوذ بمثلهما، وقراءة آية الكرسي والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة يحفظ الله بهما عباده المؤمنين، وقد سبق لك البيان، إلى غير ذلك من أوراد الصباح والمساء التي بسطها العلماء في كتب الأذكار.
قال ابن القيم: "ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله ولا قوة إلا بالله. ومنها رقية جبريل عليه السلام للنبي التي رواها مسلم في صحيحه (2185): ((بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك)).
ولقد رخص النبي بالرقية، وقال لأسماء بنت عميس رضي الله عنها: ((ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟!)) أي: نحيفة، قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، فقال: ((ارقيهم))، فعرضت عليه فقال: ((ارقيهم)) رواه مسلم (2198).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [سورة الفلق].
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب، وسنة المصطفى عليه السلام، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم.
|