أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، تحلّ على المسلمين في هذه الأيام المباركة من شهر رجب ذكرى الإسراء والمعراج بنبينا محمد عليه السلام والصلاة، وبشرى لأمتنا الكريمة بأن هذه الديار المباركة ديار إسلامية، شأنها شأن مسجدها الذي قرر الله مسجديَّتَه وإسلاميته من فوق سبع سماوات في قرآن يتلوه المسلمون صباح مساء، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، فقد جاءت هذه المعجزة والرحلة القدسية المباركة لتربط ديار الإسلام في رباط عقدي، وتؤاخي بين أول بيت وضع للناس على الأرض وبين المسجد الأقصى ثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام بأربعين سنة، لما رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: ((المسجد الحرام))، قلت: ثم أي؟ قال: ((المسجد الأقصى))، قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة)).
أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، إن معجزة الإسراء والمعراج بنبينا عليه الصلاة والسلام تجعل هذه الأرض المباركة ومسجدها محورًا لهذه المعجزة وأمانة في أعناق المسلمين لا يجوز لهم التهاون في حمايتها ورعايتها ودرء الأخطار عنها، وهذا ما رأيناه واضحًا في سيرة السلف الصالح في المحافظة على هذه الديار بعد الفتح الإسلامي لها على يد الخليفة العادل عمر والصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
وقد حث الفاتح الأول لبيت المقدس على شكر نعم الله والمحافظة على طاعته حتى لا تنزع النعم ولا يسلط العدو، فقد جاء في خطبة عمر رضي الله عنه يوم الفتح: (يا أهل الإسلام، إن الله تعالى صدقكم الوعد، ونصركم على الأعداء، وأورثكم البلاد، ومكن لكم في الأرض، أما لا يكونن جزاؤه منكم إلا الشكر، وإياكم والعمل بالمعاصي، فإن العمل بالمعاصي كفر للنعم، وقلّما كفر قوم بما أنعم الله عليهم ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سُلبوا عزهم، وسلط عليهم عدوهم). فهلا اعتبر المسلمون اليوم بما أصابهم من الهوان وسلب الكرامة وضياع الأرض، وفي مقدمتها أرض الإسراء والمعراج؟! وما ذلك إلا بسبب المعاصي والبعد عن هدايات القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم.
أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، وإذا كانت رحلة الإسراء قد بدأت من المسجد الحرام وانتهت بالمسجد الأقصى، فإن المسجد الأقصى المبارك هو بوابة الأرض إلى السماء، فقد كان معراج النبي من هذه الرحاب الطاهرة إلى السماوات العُلى، حيث رأى نبيكم عليه الصلاة والسلام من آيات ربه الكبرى، وفرض الله عليه وعلى أمتكم الإسلامية الصلوات الخمس، وجعلها خمسًا في العمل وخمسين في الأجر، فضلاً من الله ومنّة، وتكرمة لكم ورحمة، إنه بعباده رؤوف رحيم. كما أن الصلاة معراج المؤمن إلى ربه وصلة المخلوق بخالقه، تصقل الروح، وتطهر الجروح، وتنقي القلوب، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي أول الأعمال التي يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة، وهي عمود الدين وأحد الأركان التي بني عليها الإسلام، وعلامة بين الكفر والإيمان، وإن فرضَها من فوق سبع سماوات دليل أهميتها ورفعة شأنها وبيان فضلها.
أيها المسلمون، يا أمة الهادي عليه السلام، لقد أشارت سورة الإسراء بشكل قاطع إلى رحلة النبي ، كما أشارت سورة النجم إلى معراجه عليه الصلاة والسلام إلى السموات العلى، قال تعالى: وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:7-11]
وقد كثرت الأحاديث الشريفة في ذكر حادثة الإسراء وركوبه عليه الصلاة السلام على البراق حتى بيت المقدس وعروجه إلى السموات العلى ولقائه بإخوانه الأنبياء في السماوات، ثم اجتيازه إلى سدرة المنتهى التي غشيها من النور والجمال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقد رأى نبينا محمد في معجزة المعراج عقوبة بعض الذنوب، ومنها أنه أتى على قوم ترضخ رؤوسهم، كلما رضخت ترجع كما كانت فقال: ((يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل قلوبهم عن الصلاة المكتوبة)).
وتصوِّر رحلة المعراج الزناة والزواني في صورة كريهة بغيضة، فتقول: ((ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدورهم، ولحم آخر نيئ وخبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث، ويدعون النضيج الطيب، فقال : من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك، تكون عنده المرأة الحلال الطيبة، فيأتي المرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح. والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيبًا، فتأتي رجلاً خبيثًا، فتبيت معه حتى تصبح)).
ويأتي على قوم كلما حصدوا عاد كما كانوا، فقال: ((يا جبريل ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف)).
|