|
أما بعد:
إخوة الايمان: يقول الحق تبارك وتعالى: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفوراً أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لاتجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً [الإسراء:67-69].
وهكذا تقرر الآيات ضعف البشر أمام الله وقدرته، وتؤكد ألا مفر من الله إلا إياه، فلا مستقل البحر بمأمن من عذاب الله إذا نزل، ولا سائر في البر بأمن من خوف الخسف والزلازل، والأمطار المصحوبة بالحجارة إذا أراد الله.
أجل ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوا أمره، واستطعموا رزقه, ولم يشكروا نعمته، بالصحة والامن ورغد العيش، فلم يكترثوا بأمره ونهيه، وما هذه الغشاوة على القلوب وهي تستمرأ المنكر وتضيق بالمعروف، وما هذه السكرة بالنعم؟ فتنسيها اللحظة الحاضرة مشاهد القيامة وأهوال الساعة، وما هذه الغفلة عن سنن الله في الإهلاك والتدمير؟ وأين حياة القلوب وهي ترى المصائب تحل ذات اليمين وذات الشمال، ثم لا تلين لذكر الله ولا ترعوي؟
لقد لانت قلوب الجبابرة والمجرمون أمام جبروت الله وقدرته وتفجرت الأنهار من الحجارة الصم بإذن الله وتشقق بعض منها فخرج منها الماء وهبط بعض منها خشية لله, أفتكون الحجارة الصم أخشى لله من قلوب الخلق ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منهـا لمـا يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ومالله بغافل عما تعملون [البقرة:74].
ولقد آمن بآيات الله الكافرون، وأسلم لوجه الله الشاردون وهم يبصرون النذر توقظ ضمائرهم والمخاوف تحيط بهم، فلا ملجأ من الله إلا لله، ولا منقذ إلا هو وحده.
وهاك نموذجاً لهؤلاء:
لقد آذى عكرمة بن أبي جهل، رضي الله عنه- قبل أن يسلم- رسول الله والمؤمنين معه، ومع مرور الزمن بدأ صوت الحق يعلوا وصوت الباطل يخف حتى أذن الله بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وعفا الرسول صلى الله عليه وسلم عمن آذوه وطردوه، وقال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).
وكانت تلك لمسة وفاء، حسن صفح بلا جزاء،وهي من عظيم أخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام.
ومع أنه صلى الله عليه وسلم أمن الناس كلهم إلا أنه استثنى نفرا من المشركين، منهم عكرمة، وأمر بقتلهم، وذلك لشدة أذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولما صنعوا من أذى وتنكيل بالمسلمين.
وكيف لا يكون عكرمة في طليعة هؤلاء وهو ابن فرعون هذه الأمة .. وربما خُيل لعكرمة يوماً أنه سيخلف أباه، وربما بلغ به الغرور أنه سيحطم الدعوة أو يشل من حركة المؤمنين، لكن أمام عظمة الله كل الدواعي سراب وغرور .. فها هو عكرمة يفر مكة إلى اليمن، هائماً على وجهه خوفاً من الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يركب البحر ليدخل الحبشة مع قوم مسافرين فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: أخلصوا لا يغن من له الحق دون حجاب وقال قالته العاقلة: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره اللهم لك على عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضع يدي في يده، فلأجدنه رؤوفا رحيما، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسلم وحسن إسلامه.
مع شؤم المعصية التى اقترفها عكرمة ،ومع الصدود والاعراض وايذاء هذا الدين بعد .. وهاهو عكرمة يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يا رسول الله لا أنزل مقاماً قمته للصد عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله عز وجل , حتى يوم اليرموك نزل فترجل فقاتل قتالا شديدا فقتل رحمه الله، فوجد به بضع وسبعون بين طعنة وضربة ورمية رضي الله عنه وأرضاه.
أيها المسلمون: يمهل الله ولا يهمل، ويرى الناس من آياته وعجائب قدرته ما تشهد به قلوب المؤمنين ويغفل عنه المستكبرون وتحيط القوارع والنذر بالناس أجمعين، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون .. وتتوالى الفتن وتعصف بالناس عواصف المحن، والقلة القليلة منهم هي التى تتذكر وتستغفر: أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون [التوبة:126].
ومن ذا الذي لا يقع في معصية، ومن منا لا يقترف الخطيئة ,وهذا الحبيب المصطفى يقسم ويقول: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم)).
لكن الإيمان والتقى يذكر صاحبه إن عصى فيرعوي ويستغفر ولا يصر على الخطأ والمنكر والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [آل عمران:135].
أما الجهل والطغيان فيسهل على صاحبه المعصية ويهون المعصية ويهون أمر الله عنده، فلا يزال عن الحق معرضا، وللشر والباطل واردا حتى يهلك غير مأسوف عليه فما بكت عليهم السماء والأرض [الدخان:29].
معاشر المسلمين: تأملوا أحوالكم مع خالقكم، وفتشوا عن أنفسكم، ففرق بين من يقترف المعصية وهو لها كاره، وهو من ربه خائف مشفق ينظر إلى الذنوب كأصل جبل يخاف أن يقع عليه، وبين من يمارس الذنب أثر الذنب ولا يتمعر من خشية الله، بل يرى ذنبه أشبه بذباب وقع على أنفه فقال بيده يهشه هكذا.
وهكذا يتفاوت الناس في أحوالهم حين مقاومة المعاصي, وفرق بين من يراها كالجبال وآخرون يرونها كالذباب، وتأمل هذا النص وصنف نفسك حيث هي:
فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن السماك أنه قال: أصبحت الخليقة على ثلاث أصناف من الذنب: تائب، موطن لنفسه على هجران ذنبه، لا يريد الرجوع إلى شىْ من سيئته هذا هو البر، وصنف يذنب ثم يندم ولا يحزن، ويذنب ولا يبكي، فهذا الكائن الحائر عن طريق الجنة إلى النار.
يا أخا الإسلام: إياك من الفرح بالخطيئة، وإياك أن تنسيك لذة الهوى مرارة الخطيئة وأن تحرق نار الهوى بذرة الإيمان في قلبك، واياك إياك والمجاهرة بالذنب أو عدواة من يهديك للحق أو استحقار من يعلمك الخير أو التضايق ممن يصدقك الحديث، فصديقك حقا من صدقك القول لا من صدقك في كل مكان ما تقوله، وتأمل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانون يفترون [الأعراف:52-53].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. . .
|