.

اليوم م الموافق ‏02 ‏September, ‏2010هـ

 
 

 

زلازل الذنوب

270

الرقاق والأخلاق والآداب, سيرة وتاريخ

السيرة النبوية, الكبائر والمعاصي

سليمان بن حمد العودة

بريدة

2/7/1416

جامع الراشد

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1- عكرمة بن أبي جهل في معسكر الكفر 2- هروب عكرمة يوم الفتح بعد إهدار دمه 3- إسلامه وجهاده واستشهاده 4 - كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون 5- التمادي في الذنوب واستصغارها من المهلكات 6 - للطاعة جزاء في الدنيا وللمعصية مثلها 7- ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة 8- البهائم تتأذى من معاصي الإنسان

الخطبة الأولى

 أما بعد:

إخوة الايمان: يقول الحق تبارك وتعالى: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفوراً أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لاتجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً [الإسراء:67-69].

وهكذا تقرر الآيات ضعف البشر أمام الله وقدرته، وتؤكد ألا مفر من الله إلا إياه، فلا مستقل البحر بمأمن من عذاب الله إذا نزل، ولا سائر في البر بأمن من خوف الخسف والزلازل، والأمطار المصحوبة بالحجارة إذا أراد الله.

أجل ما أهون الخلق على الله إذا هم عصوا أمره، واستطعموا رزقه, ولم يشكروا نعمته، بالصحة والامن ورغد العيش، فلم يكترثوا بأمره ونهيه، وما هذه الغشاوة على القلوب وهي تستمرأ المنكر وتضيق بالمعروف، وما هذه السكرة بالنعم؟ فتنسيها اللحظة الحاضرة مشاهد القيامة وأهوال الساعة، وما هذه الغفلة عن سنن الله في الإهلاك والتدمير؟ وأين حياة القلوب وهي ترى المصائب تحل ذات اليمين وذات الشمال، ثم لا تلين لذكر الله ولا ترعوي؟

لقد لانت قلوب الجبابرة والمجرمون أمام جبروت الله وقدرته وتفجرت الأنهار من الحجارة الصم بإذن الله وتشقق بعض منها فخرج منها الماء وهبط بعض منها خشية لله, أفتكون الحجارة الصم أخشى لله من قلوب الخلق ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منهـا لمـا يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ومالله بغافل عما تعملون [البقرة:74].

ولقد آمن بآيات الله الكافرون، وأسلم لوجه الله الشاردون وهم يبصرون النذر توقظ ضمائرهم والمخاوف تحيط بهم، فلا ملجأ من الله إلا لله، ولا منقذ إلا هو وحده.

وهاك نموذجاً لهؤلاء:

لقد آذى عكرمة بن أبي جهل، رضي الله عنه- قبل أن يسلم- رسول الله والمؤمنين معه، ومع مرور الزمن بدأ صوت الحق يعلوا وصوت الباطل يخف حتى أذن الله بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وعفا الرسول صلى الله عليه وسلم عمن آذوه وطردوه، وقال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).

 وكانت تلك لمسة وفاء، حسن صفح بلا جزاء،وهي من عظيم أخلاقه وشمائله عليه الصلاة والسلام.

ومع أنه صلى الله عليه وسلم أمن الناس كلهم إلا أنه استثنى نفرا من المشركين، منهم عكرمة، وأمر بقتلهم، وذلك لشدة أذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولما صنعوا من أذى وتنكيل بالمسلمين.

وكيف لا يكون عكرمة في طليعة هؤلاء وهو ابن فرعون هذه الأمة .. وربما خُيل لعكرمة يوماً أنه سيخلف أباه، وربما بلغ به الغرور أنه سيحطم الدعوة أو يشل من حركة المؤمنين، لكن أمام عظمة الله كل الدواعي سراب وغرور .. فها هو عكرمة يفر مكة إلى اليمن، هائماً على وجهه خوفاً من الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يركب البحر ليدخل الحبشة مع قوم مسافرين فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: أخلصوا لا يغن من له الحق دون حجاب وقال قالته العاقلة: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره اللهم لك على عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضع يدي في يده، فلأجدنه رؤوفا رحيما، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسلم وحسن إسلامه(1).

مع شؤم المعصية التى اقترفها عكرمة ،ومع الصدود والاعراض وايذاء هذا الدين بعد .. وهاهو عكرمة يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يا رسول الله لا أنزل مقاماً قمته للصد  عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله عز وجل , حتى يوم اليرموك نزل فترجل فقاتل قتالا شديدا فقتل رحمه الله، فوجد به بضع وسبعون  بين طعنة وضربة ورمية رضي الله عنه وأرضاه(2).

 أيها المسلمون: يمهل الله ولا يهمل، ويرى الناس من آياته وعجائب قدرته ما تشهد به قلوب المؤمنين ويغفل عنه المستكبرون وتحيط القوارع والنذر بالناس أجمعين، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون .. وتتوالى الفتن وتعصف بالناس عواصف المحن، والقلة القليلة منهم هي التى تتذكر وتستغفر: أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون [التوبة:126].

ومن ذا الذي لا يقع في معصية، ومن منا لا يقترف الخطيئة ,وهذا الحبيب المصطفى يقسم ويقول: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم(2))).

لكن الإيمان والتقى يذكر صاحبه إن عصى فيرعوي ويستغفر ولا يصر على الخطأ والمنكر  والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [آل عمران:135].

أما الجهل والطغيان فيسهل على صاحبه المعصية ويهون المعصية ويهون أمر الله عنده، فلا يزال عن الحق معرضا، وللشر والباطل واردا حتى يهلك غير مأسوف عليه فما بكت عليهم السماء والأرض [الدخان:29].

معاشر المسلمين: تأملوا أحوالكم مع خالقكم، وفتشوا عن أنفسكم، ففرق بين من يقترف المعصية وهو لها كاره، وهو من ربه خائف مشفق ينظر إلى الذنوب كأصل جبل يخاف أن يقع عليه، وبين من يمارس الذنب أثر الذنب ولا يتمعر من خشية الله، بل يرى ذنبه أشبه بذباب وقع على أنفه فقال بيده يهشه هكذا.

وهكذا يتفاوت الناس في أحوالهم حين مقاومة المعاصي, وفرق بين من يراها كالجبال وآخرون يرونها كالذباب، وتأمل هذا النص وصنف نفسك حيث هي:

فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن السماك أنه قال: أصبحت الخليقة على ثلاث أصناف من الذنب: تائب، موطن لنفسه على هجران ذنبه، لا يريد الرجوع إلى شىْ من سيئته هذا هو البر، وصنف يذنب ثم يندم ولا يحزن، ويذنب ولا يبكي، فهذا الكائن الحائر عن طريق الجنة إلى النار.

 يا أخا الإسلام: إياك من الفرح بالخطيئة، وإياك أن تنسيك لذة الهوى مرارة الخطيئة وأن تحرق نار الهوى بذرة الإيمان في قلبك، واياك إياك والمجاهرة بالذنب أو عدواة من يهديك للحق أو استحقار من يعلمك الخير أو التضايق ممن يصدقك الحديث، فصديقك حقا من صدقك القول لا من صدقك في كل مكان ما تقوله، وتأمل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانون يفترون [الأعراف:52-53].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه. . .



(1) تفسير ابن كثي 5/93

(2) أسد الغابة بهامش الاصابة 8/122

(2) رواه مسلم 2749

الخطبة الثانية

 الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.

وأشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له فالق الاصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم, أشهد أن محمداً عبده رسوله وخيرته من خلقه, اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.

أيها المسلمون: ويتخوف المؤمنون من كثرة ما يسمعون من محن ومصائب وما يقع من زلازل وفتن في بلاد المسلمين وهم يقرؤون أمثال قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [الروم:41].

وإذا كانت الآية الكريمة تربط بين كثرة الفساد في الأرض ومعاصي الخلق وتدعوهم إلى التأمل في ذوات أنفسهم والعودة إلى خالقهم بالتوبة والطاعة فثمة آيات أخر تربط بركات السماء والأرض بالإيمان والتقى، كما قال تعالى: ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون [الأعراف:69].

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجنالسهم ومللهم ونحلهم على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته, والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن ضدها من الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمتة بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه (3) كيف  لا أخوة الإسلام والقرآن الكريم يذكرنا بمصير السابقين ويقول جل ذكره: فلما عتوا ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ويقول تعالى: فلما آسفوا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين وقال تعالى: فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية [الحاقة:10]. وقال تعالى:  وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير [الشورى:30].

وتأملوا معاشر المسلمين قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال [الرعد:11].

وقـال علي  رضي الله عنه: ( ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة)(4).

أيها المسلمون: والفساد الناشىء في الأرض لكثرة خطايا العباد وإسرافهم في الذنوب لاتنتهي آثاره على العصاة وحدهم، بل يعم الناس إذا لم يتناصحوا ويأخذوا على أيدى السفهاء ((إن الناس إذا رأوا الظالم ثم لم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)).

ولا تقف العقوبة عند حدود الآدميين، بل يطال شؤم المعصية الأحياء والمخلوقات الأخرى، وقال أبو هريرة رضى الله عنه: ((إن الحبارى لتموت في وكره من الظالم (5)))

 وقال مجاهد رحمه الله: (إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم).

أيها المسلمون: أما العصاة أنفسهم، أما المفسدون في الأرض، فيكفيكم مذلة المعصية وهوانهم على الله ومن يهن الله فما له من مكرم [الحج:18].

 قال الحسن البصري رحمه الله: هانوا على الله فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال تعالى:  ومن يهن الله فما له من مكرم وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفا من شرهم، فهو في قلوبهم أحقر شىء وأهونه(1).

ويكفى العصاة المفسدين في الأرض أيضا محق بركة أعمارهم وأموالهم وعلمهم وعملهم، فكل وقت عصى الله فيه, وكل مال عصي الله فيه، أو بدن أو جاه إن علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له، إذ ليس له من ذلك إلا ما أطاع الله فيه.

ولهذا قال العارفون: فمن الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها، كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها، وهكذا الجاه والعلم(2).

وقد صح الخبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الدنيا ملعونة، ملعـون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم(3))). وفي الحديث  الآخر: ((الدنيا ملعونة؛ ملعون ما فيها إلا ماكان لله(4))).

إخوة الايمان: تذكروا أنكم خلق من خلق الله، وأن خلق السموات والأرض أكبر من خلقكم، وهذه السموات والارض في قبضة الله وليس له من شريك في تصرفاتهم: إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا أن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً  [فاطر:41]. الم تر أن الله سخر لكم ما في الارض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم [الحج:65].

أجل إن الله جعل الأرض ذلولا يمشي الخلق في مناكبها، ويأكلون من رزقه، وإذا شاء حركها فمادت من تحتها تذكيرا لهم، فهم غير آمنيين من خسف الله بهم، وهم غير آمنين من أن يرسل عليهم حاصبا من السماء فيهلكهم: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير [الملك:16-17].

ألا فاشكروا الله على نعمه، ولا تستعينوا بنعم الله على معصيته، ولا تغتروا بإمهال الله لكم، ولا تمرن عليكم الزلازل والمحن والمصائب والفتن، دون أن تعقلوا مراد الله منه، فتشوا عن أنفسكم، وكل أدرى بنفسه، وتوبوا إلى بارئكم، وتناصحوا بينكم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ياتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ماأنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون [الزمر:54-61].

اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك. اللهم وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك.

 

 



(3) الداء والدواء 38 39

(4) الداء والدواء 142 .

(5) الداء وادواء  .

(1) الداء والدواء 112 .

(2) الداء والدواء ، تحقيق يوسف بديوى ، دار ابن كثير / 160 ، 161 .

(3) رواه الترمذي وحسنه 2322 .

(4)  رواه احمد الترمذي في الزهد (28 ) وقال الهيثمي : رواه الطبراني وفيه خداش ، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات [المجمع 10/222 ].

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

سيقوم النظام الذي نستخدمه بإرسال رقم هذه الخطبة تلقائياً مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة