|
عباد الله: اتقوا الله واخشوا يوما ترجعون فيه إلى الله
إخوه الإيمان: وطالما اعتاد كثير من الناس على مقولة (استح يا فلان)
وهي كلمة زجر تقال لمن خالف شرع الله أو وقع في شي من محارمه او استهتر في شيء من الواجبات وقلل الأدب مع خلق الله بأي شكل من الأشكال، والحق أنها كلمة ذات معنى ولها مغزى، وشيوع الكلمة وكثرة إطلاقها دليل الغيرة وعلامة الوعي، وهي أسلوب من أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصلح لفئة من الناس لم تجد معها الوسائل الأخرى وبلغ بها الاستهتار بالمعاصي إلى حد المجاهرة بها دون خوف من الله واستحياء من خلقة وبلغ بها الاستهتار بحقوق الخلق إلى حد يضطر الناس معه إلى ان يقولوا: استح يا فلأن ومع أهمية الحياء وحاجتنا إليه إلا أننا أحيانا نجهل معني الحياء، وربما فات على بعضنا الفرق بين الحياء الشرعي وغير الشرعي أو فات علينا معرفة قيمة الحياء.
وكلنا محتاج إلى معرفة الأسباب المودية للحياء الشرعي والأسباب المساعدة على فشو قلة الحياء، هذه وغيرها معاشر المسلمين مما يتعلق بالحياء أمور تمس الحاجة إليها في سبيل طاعتنا لخالقنا وحسن علاقتنا بإخواننا.
وسأقف معكم في هذه الخطبة معرفا بالحياء وموضحا ما يلتمس الأمر فيه وعسى أن يكون فيها عبرة وعظة للمتحدث والسامع إنه سميع الدعاء.
إخوة الإسلام: وإذا كانت قيمة الأخلاق في الإسلام لا تخفي وقد سبق الحديث عن شيء منها فما مكانة الحياء بين أخلاق الإسلام؟
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم موضحا ذلك ((إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء)) رواه مالك وابن ماجة بسند حسن
ولأهمية الحياء وضرورة وحاجة الحياة والأحياء له كان سمة هذا الدين وسمة الأديان السابقة ولم ينسخ من بين ما نسخ من شرائع الله، ولهذا قال المصطفي صلي الله علية وسلـم ((إن ممـا أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما تشاء))
ويكفي الحياء قدرا أنه من الإيمان، وأنه طريق إلى الجنة، وعكسه البذاء. يقول الرسول، صلي الله عليه وسلم: ((الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار)).
وعرف العلماء الحياء لغة بأنه تغير وإنكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به.
اما تعريف الحياء في الشرع: فهو خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في الحق، ولهذا جاء في الحديث ((الحياء خير كله))
وقال الراغب الأصفهاني: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة ولهذا لا يكون المستحي فاسقا، وقلما يكون الشجاع مستحيا.
ايها الأخوة المسلمون: والحياء علامة خير، وهو شعبة من شعب الإيمان كما قال علية الصلاة والسلام: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان)).
أما لماذا كان الحياء من الإيمان؟ فقد قال ابن قتيبة يرحمه الله إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان من ارتكابها، فسمي إيمانا كما يسمي الشيء باسم ما قام مقامه.
وقال ابن الأثير يرحمه الله: جعل الحياء وهو غريزة من الإيمان وهو اكتساب، لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي وإن لم تكن له تقية أي مائع _ فصار كالإيمان الذي يقطع بين العاصي والمعصية، وإنما جعـل الحيـاء بعض الإيمان لأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار بما أمر الله وانتهـاء عمـا نهى الله عنه، فاذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان .
أما إفراده من بين شعب الإيمان الأخرى، فذلك لأن الحياء كالداعي إلى باقـي الشعـب، إذ الحيي يخاف فضيحة الدنيا والأخرة فيأتمر ويترجل.
وهكذا يتضح لكم معاشر المسلمين قدر الحياء وقيمته، فهو رقابة داخلية تتحكم في سلوكيات الإنسان، وتدفعه لفعل الجميل، وتكفه عن القبائح، حتى وإن خالف ذلك هواه، وما تشتهيه نفسه، وإذا تمثل الإنسان الحياء قاده إلى كل خير، وحجبه عن كل سوء، لكن ذلك يحتاج إلى جد واجتهاد، وترويض للنفس، واحتساب للأجر عند الله، وهذا هو الحياء الشرعي المطلوب، فالحياء الشرعي - كما قال أهل العلم – هو المقترن بالعلم والنية الطيبة، وهو الباعث على فعل المأمور، وترك المحظور، وهو الذي يقع على وجه الإجلال والإحترام للأكابر، وهو الحياء الشرعي.
فهنـاك حيـاء غير شرعي قال عنه الحافظ ابن كثير: ليس شرعيا .
وقال أيضاً: أما مايقع سببا لترك أمر شرعي فهو مذموم، وليس هو بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة.
وهكذا يتضح الفرق بين الحياء الشرعي الذي يريده الله ويؤجر عليه الإنسان، وبين الضعف والمهانة الذي ينسب للحياء، وليس منه في شئ.
نسأله تعالى أن يبصرنا في ديننا ويرزقنا الحياء ويعصمنا من البذاء والجفاء وسوء الأخلاق.
|