|
عباد الله: إن الله تعالى امتن على عباده في كتابه الكريم وعلى لسان رسول الله بما ركب فيهم من حواس وملكات يدركون بها الأمور ويميزون بها الخير من الشر، وهذه الركبات الحسية صالحة للإستعمال في الخير والشر قال الله تعالى: ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين ، وإن من أعظم نعم الله تعالى اللسان إذا استعمل في الخير وكف وسجن عن الشر، ذلك أن اللسان ترجمان ما في القلب وما تقع عليه العين وما تسمعه الأذن ويطلق اللسان ويراد به اللغة، ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ، وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، بلسان عربي مبين ، فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون .
عباد الله: ويطلق اللسان على هذه المضغة الصغيرة التي بين فكيك أيها الإنسان، صغيرة ولكنها فتاكة، سلاح ذو حدين، علم أنبياء الله تعالى أهمية إطلاقه في الخير وما يجلب للناس منافع، فدعوا الله أن يطلقها لهم وأن يجعلها دائماً صادقة، فهذا إبراهيم عليه السلام يتوجه إلى ربه بدعوات جامعة نافعة في سورة الشعراء يقول فيها: وأجعل لي لسان صدق في الآخرين ، وهذا موسى عليه السلام لما نبأه الله وأرسله وقد علم من نفسه ما علم قال: رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولاينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولما علم أن الأمر غير قابل للإحالة وإنها النبوة والرسالة قال: وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردء يصدقني إني أخاف أن يكذبون ثم توجه إلى الله تعالى بأدعية جامعة نافعة قال فيها في سورة طه: وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي وفي معرض المن، ولله المن يقول الله تعالى عن إسحاق ويعقوب: ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق علياً وانظروا رحمكم الله إلى أثر استعمال هؤلاء الأخيار لألسنتهم في الخير وقارنوا بطائفة من الناس تدعي اتباعهم كيف صرفت وانحرفت عن نهجهم وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وماهو من الكتاب ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ومن الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين فهل ذكر القرآن لنا هذا عنهم لنشبههم فيه أم لنعلم أنهم من الهالكين فنتجنب سبيلهم.
عباد الله: وإن نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين أمرنا بالإقتداء به والتأسي به، وإنه عظم شأن اللسان وحث المتكلم على قول الخير أو الصمت وقرن ذلك بالإيمان ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) وكان ذلك هديه إذا قرأت شمائله، إذ كان طويل السكوت لايتكلم في غير حاجة، واذا تكلم تكلم بجوامع الكلم وبكلام فصل لافضول فيه، ويحذر من كثرة الكلام بغير ذكر الله، ويشنع على الثرثارين والمتفيهقين والمرائين والمجادلين والكذابين والنمامين والمغتابين والمزورين وأهل الفحش في القول عامة، ويحذرنا من ذي الوجهين واللسانين وأن يقول المرء قولاً يوافق ما في قلبه ولو كان من المصلين كما في البخاري: ((وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه)).
وفي مقابل ذلك علمنا الإستعاذة من شر اللسان وخصوصاً أيام الفتن وحثنا على إنكار المنكر به وقراءة القرآن والسنة وتعليم الجاهل والصلح بين الناس والإكثار من الذكر والدعاء، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان))، وعن ثوبان رضي الله عنه قال: لما نزل في الفضة والذهب ما نزل قال: فأي المال نتخذ؟ قال عمر فأنا أعلم لكم ذلك، فأوضع على بعيره فأدرك النبي وأنا في أثره فقال: يارسول الله أي المال نتخذ؟ قال: ((ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة)) هذا لفظ إبن ماجة.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه قال: ((إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن إستقمت إستقمنا وإن اعوججت اعوججنا))، وعن عبدالله بن بشر أن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتثبت به؟ قال: ((لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله )) وعن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: ((قل: ربي الله ثم أستقم، قال: قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا )).
عباد الله: أيكم لا يعرف حديث معاذ: ثكلتك أمك يا معاذ ((وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ))، وأينا لايحفظ حديث مالك في الموطأ: ((من وقاه الله شر اثنين ولج الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه)) .
عباد الله: إننا لابد أن ندعوا دائماً بهذا الدعاء الذي علمه النبي لشكل بن حميد العبسي حيث قال: قلت يا رسول الله: علمني دعاء، قال: قل: ((اللهم إني أعوذ بك في سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر فمي ))، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً .
|