|
الحمد لله حمد الذاكرين الشاكرين المنيبين المستغفرين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي كان يذكر الله على كل أحيانه القائل: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) [خ]، عباد الله إن اسم الله العظيم ما ذكر على شيء إلا يسره وباركه ولا قليل إلا كثره ولا عسير إلا يسره ولا مكروب إلا نفسه ولا مريض إلا شفاه ولا خائف إلا أمنه وذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من شيطانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده فينفرط عليه أمره وتضيع مصالحه وتحيط به أسباب القطوع والخيبة والهلاك ولا سبيل إلى الأمان من ذلك إلا بدوام ذكر الله تعالى واللهج به وأن لايزال اللسان رطباً وأن ينزله منزلة حياته التي لاغنى له عنها ومنزلة غذائه ومائه ولباسه لأن هلاك الروح والقلب لايرجى معه صلاح ولا فلاح قال تعالى: قل ياعبادي الذين آمنوا اتقو ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فالمحسن يجازيه الله أولاً في هذه الدنيا بانشراح صدره وانفساح قلبه وسروره ولذته بمعاملة ربه عز وجل وذكره ونعيم روحه بمحبته وذكره والإقبال عليه والإنابة إليه والرضى به وعنه والفرح والسرور بمعرفته فهذا ثواب عاجل وجنة وعيش لاتعدلها سعادة أبداً قال شيخ الإسلام: ((إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة)) وقال ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((علم الله مارأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً وأقرهم قلباً وأسرهم نفساً تلوح نظرة النعيم على وجهه ثم قال: وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة وطمأنينة فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها، قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وماذاقوا أطيب مافيها قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته، وذكره الذي هو قرة عين المحبين وحياة العارفين.
عباد الله وهذا بخلاف ما يجازى به المسيئ من ضيق الصدر وقسوة القلب ووتشتته وظلمته وحزازاته وغمه وهمه وحزنه وخوفه وهذا من احتوشته الشياطين وزينت له القبائح فأصبح يركض وراء شهواته المحرمة يريد السلوى والسعادة وهو يقاسي الهموم والغموم والأحزان وهي عقوبات عاجلة ونار دنيوية وجهنم حاضرة، ومن فوائد الذكر أنه يسير العبد وهو قاعد على فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه وسفره وإقامته فليس شيء يعم الأوقات والأحوال مثل الذكر فيسبق الذاكر وهو مستلق على فراشه يسبق غيره القائم مع الغفلة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها أن الذكر نور للذاكر في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة يسعى بين يديه على الصراط فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى: أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وعلى حسب نور الإيمان في قلب العبد تخرج أعماله وأقواله ولها نور وبرهان وهكذا يكون نور أعماله إذا صعدت إلى الله تعالى كنور الشمس وهكذا نور روحه إذ قدم بها على الله وهكذا نوره الساعي بين يديه على الصراط وهكذا نور وجهه في يوم القيامة ومنها أن الذكر رأس الأمور فهو منشور الولاية فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الإقبال على الله عز وجل فليتطهر ويسأل ربه كل ما يريد ومنها أن في القلب خلة وفاقة لايسدها شيء البتة إلا ذكر الله عز وجل فإذا صار الذكر شعار القلب واللسان تبع له فإنه يسد الخلة ويغني الفاقة فيكون صاحبه غنياً بلا مال وعزيزاً بلا عشيرة ومهيباً بلا سلطان فإذا كان غافلاً عن ذكر الله فهو بضد ذلك فهو فقير مع جدته المال وهو ذليل مع كثرة عشيرته ومنها أن الذكر يجمع المتفرق من الهمم والإرادات والعزائم ويفرق المجتمع من الذنوب والهموم ويقرب الآخرة ويبعد الدنيا فتصغر الدنيا في عينه وتعظم الآخرة في قلبه ومنها أن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من سنته والذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون ومنها أن الذاكر قريب من مذكوره ومذكوره معه معية خاصة معية القرب والولاية والنصرة والتوفيق إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون كما في الحديث القدسي قال الله: ((أنا مع عبدي ماذكرني وتحركت بي شفتاه)) [خ]. قال ابن مسعود : لأن أسبح لله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله ومنها أن الذكر رأس الشكر فما شكر الله تعالى من لم يذكره ومنها أن في القلب قسوة لايذيبها إلا ذكر الله تعالى قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أشكوا إليك قسوة قلبي قال: إذن بالذكر، وعن أبي موسى ،عن النبي قال: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لايذكره مثل الحي والميت)) [ق]. ولفظ مسلم ((مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لايذكر الله فيه مثل الحي والميت)).
أيها المسلمون: وأنواع الذكر ثلاثة ثناء ودعاء ورعاية فذكر الثناء مثل سبحان الله والحمد الله وذكر الدعاء مثل: ربنا إننا ظلمنا أنفسنا فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وأما ذكر الرعاية فمثل قول الذاكر: الله معي الله ناظر إلي، اللهم صل قلوبنا فيك ولا تجعل لقلوبنا متعلقاً سوى الاشتغال بما يرضيك اللهم اجعلنا ممن يذكرك على كل أحواله ويشكرك على نعمك وآلائك، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ياخير الناصرين ويارب المستضعفين المظلومين، اللهم عليك بالصرب النصارى الحاقدين اللهم أرفع عنهم يدك وأذقهم بأسك ونقمتك اللهم زلزل تحتهم الأرض وأسقط عليهم كسفاً من السماء، اللهم آمنا في دورنا وأصلح ولاة أمورنا.
عباد الله: صلو على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه. |