|
اعلم يا عبد الله أن للكبر آثاراً تظهر على الجوارح كلها، فترى المتكبر إن سمح أن يمشي مع الناس يكون متقدماً عليهم، حريصاً جداً أن يكونوا كلهم خلفه، كان عبدالرحمن بن عوف - وهو على غناه – لا يعرف من بين خدمه إذ كان لايظهر في صورة ظاهرة عنهم. ومشى قوم وراء الحسن البصري رحمه الله فمنعهم، وهذا رسول الله كان في بعض الأوقات يمشي مع بعض أصحابه، فيأمرهم بالتقدم ويمشي خلفهم حتى يعلمهم ويدفع عن نفسه داء الكبر والإعجاب.
ومن آثار الكبر أن يترفع المتكبر عن جلوس غيره معه بالقرب منه، وإذا جلس معه جلس بعيداً عنه بل إن من المتكبرين من إذا قاموا إلى الصلاة وسمعوا الإمام يأمرهم بتسوية الصفوف وإلصاق القدم بالقدم والكتف بالكتف، ترى المتكبرين لايفعلون ذلك.
ومن آثار الكبر أن يتكبر الرجل على أهله فلا يتعاطى شغلاً في بيته وقد كان النبي كما روت عائشة: ((كان في مهنة أهله يعني في خدمتهم ومعاونتهم)) وروي عن عمر بن العزيز رحمه الله تعالى أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد المصباح أن يطفأ فقال: الضيف أقوم الى المصباح فأصلحه، فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه، قال: أفأنبه الغلام؟ أي الخادم، فقال عمر: هي أول نومة نامها. فقام وملأ المصباح زيتاً، فقال الضيف: قمت أنت ياأمير المؤمنين؟ فقال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعاً. ومن آثار الكبر الذي يحسبه الناس شيئاً هيناً وهو عند الله عظيم إسبال الثوب اي إطالته أسفل من الكعبين بل بعضهم يمس لباسه الأرض وبعضهم يسحبه خلفه فاسمعوا رحمكم الله ما قاله نبيكم في هذا الشأن فعن أبي ذر قال: قال رسول الله : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم: المسبل إزاره اي الذي يطيل ثوبه أسفل الكعبين، والمنان أي الذي يعطي شيئاً ثم يتكلم به، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) وقد يقول قائل إن إسبالي لثوبي ليس كبراً فهو يزكي نفسه تزكية غير مقبولة وحتى وإن لم يقصد به الكبر فإن ذلك منهي عنه جاء فيه وعيد آخر قوله : ((ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار)) فاذا أسبل الرجل ثوبه خيلاء وتكبراً صارت عقوبته أشد وأعظم، وهذا الحكم يخص الرجال، وقد رخص النبي للمرأة أن ترخي ثوبها شبراً أو ذراعاً لستر قدميها، خوفاً من الإنكشاف، ولكن لايجوز للمرأة أن تجاوز هذا الحد كماهو الحال في بعض ثياب العرائس التي تمتد أشباراً وأمتاراً وربما حمل ورائها، ومن آثار الكبر جعل بعض الرجال خاتم ذهب أو ساعة فيها ذهب أو نظارات فيها ذهب، فاسمع ماقاله النبي في ذلك حين رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فرماه ثم قال: ((يعمد أحدكم الى جمرة من نار فيجعلها في يده))، وقد يصل الكبر الى درجة الكفر والعياذ بالله فمن ذلك ما روى أن رجلاً دخل مسجد البصرة فبسط ناس له رداءً تعظيماً له فمشى عليها وقال لرجل يماشيه لمثل هذا فليعمل العاملون أداه كبره الى أن يستهزئ بآية من آيات الله، نعم إلى هذا الحد يصل الكبر بأهله، قال إبن القيم رحمه الله تعالى:
|
فهمـا لكل السـر جـامعتـان الخيـر إذ فـي قلبـه يلجـان والكبـر أخـزى ثـم يجتمعان هذين فأسـأل سـاكني النيران
|
|
وسل العياذ من التكبر والهوى وهما يصدان الفتى عن كل طريق فتـراه يمنعـه هـواه تـارة والله مـا فـي النـار إلا تـابع
|
فنصيب المتكبر من الله كما سمعتم من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة التي اذا سمعها المتواضع الموفق فتش عن نفسه وحاسبها مخافة أن يكون قد دخل عليه الكبر وهو غافل عنه، وأما نصيب المتكبر من الناس أنه ممقوت محتقر عندهم، فهم يدركون أنه لئيم لا يتواضع الا اذا أهنته ولا يعرف نفسه إلا إذا احتقرته.
فاللهم نجنا من الكبر وأهله وعافنا برحتمك يا أرحم الراحمين. |