.

اليوم م الموافق ‏02 ‏September, ‏2010هـ

 
 

 

داء الكبر

1227

الرقاق والأخلاق والآداب

الكبائر والمعاصي

محمد بو سنه

عين النعجة

مبارك الميلي

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

ملخص الخطبة

1 – خطورة القلب ووجوب العناية به 2 – حالنا مع القلوب 3 – من أمراض القلوب 4 – صفات المتكبرين 5 – ذم الكبر وأهله

الخطبة الأولى

عباد الله: لقد كانت القلوب موضع العناية التامة عند السلف الصالح لأنهم يعلمون أنها كما قال النبي : ((إذا صلحت صلح الجسد كله)) وذلك لأن مبدأ الحركات البدنية والإرادة النفسية، فإن صدرت من القلوب إرادة صالحة تحرك البدن حركة نحو الطاعة، وإن صدرت عنها إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة، فالقلب كالملك والأعضاء كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك، وتفسد بفساده، وعليه كان واجباً علينا أن نكون كما كان سلفنا في العناية والإهتمام بهاتيك القلوب، لأن بها سعادتنا بإذن الله، وبها شقاءنا عياذاً بالله، ولكن ياللأسف ماكان من ذلك الإهتمام شيء، والذي كان منا أننا أهملنا قلوبنا إهمالاً تنجرح منه القلوب وتذوب له الأكباد، ولذلك نشأ فينا نتيجة الإهمال كثرة الأمراض في القلوب وتشعبت وصعب شفاؤها وانعدم أطباؤها، ومن وصل إلى هذا الحد فهو في خطر عظيم.

فمن الأمراض التي أزمنت في قلوبنا مرض الكبر، ومرض العجب الذي لايكاد يسلم منه إلا القليل، ولهذا يعتقد الصغير منا والكبير أنه كامل في نفسه، ومن اعتقد ذلك في نفسه هوى وضل لأنه لا ينظر إلى مابه كمال الرجال.

أيها الناس: إن مرض الكبر وصف الأنذال والأرذال والجهال المتكبر لا ينظر إليه بعين الرضا والكبر، نشأعنه مرض الحسد، والحسد يولد الحقد الذي ربما حمل صاحبه على قتل من لا ذنب له، وليس هذا كل مافي قلوبنا من الأمراض، بل فيها مرض البخل والشح الذي وصل بنا الى منع الزكاة وغير ذلك كثير، وكلها أمراض مهلكات، ونحن لانهتم بقلوبنا ولا بأمراضنا بقدر مانهتم بأمراض أجسامنا ونسرع في علاجها إلى المستشفيات، وأمراضها يسيرة بسيطة بالنسبة الى أمراض القلوب، بل ترى الكثير ممن يهتم بجمال ظاهره فيبالغ في تحسين ملابسه ومركبه ومسكنه ومجلسه وبدنه، فانظر إليه عند ذهابه إلى مقر عمله لتتعجب من تغفيله وإنخداعه، فلوكانت عنايتنا بالقلوب كعنايتنا بالملابس والظواهر ما كنا بهذه الحالات المحزنات، عباد الله إن من يتكبر على خلق الله أذله الله، ومن تواضع لله رفعه الله، والمتكبرون يحشرون يوم القيامة في صور الذر تدوسهم الناس لأنهم هانوا على الله تعالى، المتكبرون شرار الخلق وأهل النار، المتكبر يشمخ بأنفه إذا تكلم ويجافي مرفقيه عن جنبيه لاوياً عنقه يقارب خطاه إذا مشى، متطاولاً على إخوانه، مترفعاً على أقرانه، ينظر الى الناس بمؤخر العين متقدماً عليهم اذا مشى، محتقراً للعامة، ولا فرق عنده بينهم وبين الحميوان، فالمتكبر لايحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، لأنه لايقدر على ذلك ولا يقدر على التواضع الذي هو رأس أخلاق المتقين، ولايقدر على ترك الحقد ولا يقدر أن يداوم على الصدق ولايقدر الى ترك الغضب ولا على كظم الغيظ، ولا يسلم من إحتقار الناس وإغتيابهم وتنقصهم لأنه يشعر بالعظمة والعزة والكبرياء فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعظمة مضطر إليه ليحفظ به عزة وعظمته ولذلك ورد في الحديث قوله : ((لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر)) ومما جاء في وصية لقمان لابنه: ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحاً إن الله لايحب كل مختال فخور ومن تعاليم ربنا لنبيه ولأمته قوله جل وعلا: ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً . فيا أيها المتكبر المتعاظم في نفسه إن شأنك حقير وقدرك صغير ومالك عند عاقل من حساب ولا تقدير لا قليل ولا كثير، فهون عليك وارفق بنفسك، فإنك مغرور يا مسكين، وتدبر كلام رب العالمين: إنه لايحب المستكبرين ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ، قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وذم الكبر والمتكبرين في القرآن كثير، وحسب المتكبر أنه عدو الله ولنفسه وللناس، يقصر في الواجب ويدعي ماليس له، ثقيل في حركاته وسكناته بغيض في أمره ونهيه ومجالسته ومشاركته، فالويل كل الويل لمن صاهره أو شاركه أو ربطته به صلة لأن داء الكبر يعدي فتبعد السلامة من المقترب منه، قال بعض السلف: كيف يتكبر من أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو مع ذلك يحمل البول والعذرة. هذا أكبر برهان على أنه دنس جاهل مجهول ممتلئ كبراً وإعجاباً بنفسه، فهو أشبه شيء بالدخان يملا الفضاء ويخرب صدور الناس، وأصله من القمامات والأوساخ المبعثرة، نسأل الله أن يقلل من هذا النوع المنحط، وأن يكثر من أهل التواضع واللين والعطف والحنان قال الله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين .

اللهم أجعلنا في سلك عبادك الخيار ونجنا برحمتك من عذاب النار وأسكنا الجنة مع أوليائك الأبرار وأغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يا أرحم الراحمين.

 

 

 


 

الخطبة الثانية

اعلم يا عبد الله أن للكبر آثاراً تظهر على الجوارح كلها، فترى المتكبر إن سمح أن يمشي مع الناس يكون متقدماً عليهم، حريصاً جداً أن يكونوا كلهم خلفه، كان عبدالرحمن بن عوف - وهو على غناه – لا يعرف من بين خدمه إذ كان لايظهر في صورة ظاهرة عنهم. ومشى قوم وراء الحسن البصري رحمه الله فمنعهم، وهذا رسول الله كان في بعض الأوقات يمشي مع بعض أصحابه، فيأمرهم بالتقدم ويمشي خلفهم حتى يعلمهم ويدفع عن نفسه داء الكبر والإعجاب.

ومن آثار الكبر أن يترفع  المتكبر عن جلوس غيره معه بالقرب منه، وإذا جلس معه جلس بعيداً عنه بل إن من المتكبرين من إذا قاموا إلى الصلاة وسمعوا الإمام يأمرهم بتسوية الصفوف وإلصاق القدم بالقدم والكتف بالكتف، ترى المتكبرين لايفعلون ذلك.

ومن آثار الكبر أن يتكبر الرجل على أهله فلا يتعاطى شغلاً في بيته وقد كان النبي كما روت عائشة: ((كان في مهنة أهله يعني في خدمتهم ومعاونتهم)) وروي عن عمر بن العزيز رحمه الله تعالى أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد المصباح أن يطفأ فقال: الضيف أقوم الى المصباح فأصلحه، فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه، قال: أفأنبه الغلام؟ أي الخادم، فقال عمر: هي أول نومة نامها. فقام وملأ المصباح زيتاً، فقال الضيف: قمت أنت ياأمير المؤمنين؟ فقال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعاً. ومن آثار الكبر الذي يحسبه الناس شيئاً هيناً وهو عند الله عظيم إسبال الثوب اي إطالته أسفل من الكعبين بل بعضهم يمس لباسه الأرض وبعضهم يسحبه خلفه فاسمعوا رحمكم الله ما قاله نبيكم في هذا الشأن فعن أبي ذر قال: قال رسول الله : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم: المسبل إزاره اي الذي يطيل ثوبه أسفل الكعبين، والمنان أي الذي يعطي شيئاً ثم يتكلم به، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) وقد يقول قائل إن إسبالي لثوبي ليس كبراً فهو يزكي نفسه تزكية غير مقبولة وحتى وإن لم يقصد به الكبر فإن ذلك منهي عنه جاء فيه وعيد آخر قوله : ((ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار)) فاذا أسبل الرجل ثوبه خيلاء وتكبراً صارت عقوبته أشد وأعظم، وهذا الحكم يخص الرجال، وقد رخص النبي للمرأة أن ترخي ثوبها شبراً أو ذراعاً لستر قدميها، خوفاً من الإنكشاف، ولكن لايجوز للمرأة أن تجاوز هذا الحد كماهو الحال في بعض ثياب العرائس التي تمتد أشباراً وأمتاراً وربما حمل ورائها، ومن آثار الكبر جعل بعض الرجال خاتم ذهب أو ساعة فيها ذهب أو نظارات فيها ذهب، فاسمع ماقاله النبي في ذلك حين رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فرماه ثم قال: ((يعمد أحدكم الى جمرة من نار فيجعلها في يده))، وقد يصل الكبر الى درجة الكفر والعياذ بالله فمن ذلك ما روى أن رجلاً دخل مسجد البصرة فبسط ناس له رداءً تعظيماً له فمشى عليها وقال لرجل يماشيه لمثل هذا فليعمل العاملون أداه كبره الى أن يستهزئ بآية من آيات الله، نعم إلى هذا الحد يصل الكبر بأهله، قال إبن القيم رحمه الله تعالى:

فهمـا لكل السـر جـامعتـان
الخيـر إذ فـي قلبـه يلجـان
والكبـر أخـزى ثـم يجتمعان
هذين فأسـأل سـاكني النيران

 

وسل العياذ من التكبر والهوى
وهما يصدان الفتى عن كل طريق
فتـراه يمنعـه هـواه تـارة
والله مـا فـي النـار إلا تـابع

فنصيب المتكبر من الله كما سمعتم من الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة التي اذا سمعها المتواضع الموفق فتش عن نفسه وحاسبها مخافة أن يكون قد دخل عليه الكبر وهو غافل عنه، وأما نصيب المتكبر من الناس أنه ممقوت محتقر عندهم، فهم يدركون أنه لئيم لا يتواضع الا اذا أهنته ولا يعرف نفسه إلا إذا احتقرته.

فاللهم نجنا من الكبر وأهله وعافنا برحتمك يا أرحم الراحمين.

محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية 

إلى أعلى

إذا كانت لديك أية ملاحظات حول هذه الخطبة، إضغط هنا لإرسالها لنا.

سيقوم النظام الذي نستخدمه بإرسال رقم هذه الخطبة تلقائياً مع رسالتك ليتسنى لنا التدقيق وتصويب الأخطاء

 
 

 2004© مؤسسة المنبر الخيرية للمواقع الدعوية على شبكة الإنترنت، جميع الحقوق محفوظة