|
وبعد:
فقد فصَّل سبحانه وتعالى ما يجب علينا من الإحسان الى الوالدين فقال: إما يبلغن عندك الكبر أي اذا وصل الوالدان أو أحدهما الى الكبر، حال الضعف والعجز وصارا عندك في آخر العمر، كما كنت عندهما في أوله وجب عليك أن تحنو عليهما وتشفق عليهما وتلطف بهما وتعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، ويظهر الإحسان إلى الوالدين بأن تتبع معهما أموراً خمسة:
أولاً: ألا تتأفف من شيء تراه أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى منه الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما واحتسب الأجر عليه من الله جل وعلا كما صبرا عليك في صغرك واحذر الملل القليل والكثير، وعليك بالرفق واللين معهما والله لايضيع أجر من أحسن عملاً.
ثانياً: أن لا تنغص ولا تكدر حياتهما بكلام قبيح تزجرهما به فقد بلغنا من بعض من لايحفظون للوالدين حقوقاً ولا يعرفون لهما معروفاً ولا إحساناً، بلغنا عنهم أنهم يجرحونهما بكلام قبيح حتى بلغ بأحدهم أن أمه زارته في بيته فغلظ لها الكلام وفتح الباب وطردها، فالله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله.
ثالثاً: أن تقول لهما قولاً كريماً أي حسناً طيباً مقروناً بالإحترام والتعظيم مما يقتضيه حسن الأدب كأن تقول يا أبي ياوالدي يا أمي ولا تدعوهما بأسمائهما ولا ترفع صوتك أمامهما ولا تحدق فيهما بنظرك بل يكون نظرك إليهما نظر عطف ولطف وتواضع، أخرج إبن أبي حاتم عن عروة في قوله تعالى: وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة قال: إن إغضباك فلا تنظر إليهما طويلاً، فإن أول ما يعرف به الغضب الرجل شدة نظرة إلى من غضب عليه. وسئل الحسن إلى أي شيء ينتهي إليه عقوق الوالدين؟ قال: أن يحرمهما ويهجرهما ويحد النظر إليهما.
رابعاً: أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الواسعة جزاء رحمتهما بك وجميل شفقتهما عليك.
خامساً: أن تتواضع لهما وتطيعهما فيما أمراك به مالم يكن معصية لله، وينبغي عليك أن تشتاق وترتاح كلما بذلت ما يطلبان منك من حطام الدنيا الفانية.
وعلى الجملة فقد أكد جل وعلا التوصية بالوالدين من وجوه كثيرة، وكفاهما أن جعل الإحسان اليهما مع توحيده سبحانه، وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة من ذلك أن رجلاً جاء الى النبي يستأذنه في الجهاد معه فقال: ((أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)) ومن ذلك ما رواه ابو هريرة رضي الله عنهما أن النبي قال: ((رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة))، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أقبل رجل الى النبي فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد وأبتغي الأجر من الله تعالى، فقال: ((فهل من والديك أحدٌ حي؟)) فقال: نعم بل كلاهما قال: ((تبتغي الأجر من الله تعالى)) قال: نعم بل كلاهما، قال: ((تبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال: نعم، قال: فأرجع الى والديك فأحسن صحبتهما))، وفي رواية لأبي داود قال الرجل: جئت أبا يعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال: ارجع اليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، وعن أنس قال: قال رسول الله : ((من سره أن يمد في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه)).
وعن أسير بن جابر قال: كان عمر رضي الله عنه اذا أتى عليه أمراء اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى إليه فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: الك والدة؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله يقول: ((ياتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن: كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم له والدة يحوبها بر، لو أقسم على الله لأبره))، فإن إستعطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي. فانظروا رحمكم الله إلى هذه المنزلة التي بلغها هذا البار بأمه حتى كان من شأنه أن يخبر عن المصطفى وأن يقول لعمر إن إستطعت أن يستغفر لك فأفعل، وانظر الى حوض عمر على البحث عن هذا الرجل البار ليطلب منه الإستغفار له.
ورأى إبن عمر رجلاً قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل بكثير.
فاللهم وفقنا للإحسان الى الوالدين وجنبنا عقوقهما واغفر لهما وارحمهما كما أحسنا إلينا والحمد لله رب العالمين. |