|
أما بعد:
من جملة المفاهيم التي تغيرت في دنيا الناس اليوم، وقد يستغرب بعضكم هذا المفهوم وربما يقول وهل يستحق مثل هذا الموضوع أن يكون موضوعاً لخطبة جمعة ،ألا وهو مفهوم البكاء.
يظن البعض بأن البكاء لا يصدر إلا من ضعيف، وأن البكاء من خصال وصفات النساء ،وأن الرجل القوي الشجاع لا يبكي ،وكل هذا غير صحيح.فاسمع أخي المسلم شيئاً عن البكاء. قال الله تعالى مادحاً بعض عباده المؤمنين ،وهم أولئك الذين يتأثرون إذا تليت عليهم آيات الرحمن، فبكوا من خشية الله قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا . وقال عز وجل: أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً .
ولقد كان أقوى الناس وأشجع الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي في بعض المواطن ،وكانت عيناه تهملان بالدموع أحياناً ويسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل. فكان أحياناً يبكي في الصلاة كما في سنن أبي داود بسند صحيح عن عبد الله بن الشَّخيّر رضي الله عنه قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء)). وتارة كان يبكي رحمة للميت ،عند عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تهرقان)). ولما مات ولده إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال: ((تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ،وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون)) وشهد عليه الصلاة والسلام جنازة أحدى بناته فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على حافة القبر يقول أنس بن مالك رضي الله عنه راوي الحديث فرأيت عينيه تدمعان. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((أفيكم رجل لم يقارف الليلة؟ - يعني الجماع - فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله فقال انزل ،فنزل إلى قبرها)).
وتارة كان بكاءه عليه السلام خوفاً على أمته وشفقة عليها ،كما في الصحيح أنه انكسفت الشمس فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى صلاة الكسوف وجعل يبكي في صلاته وينفُخ ويقول: ((رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون ،ونحن نستغفرك)). وتارة كان بكاؤه إذا سمع القرآن ،وذلك لما طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن ،فقال له عبد الله أقرأ عليك وعليك أنزل ،قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)) ،يقول عبد الله بن مسعود ،فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال فرأيت عيني رسول الله تهملان.
فليس بصحيح بأن البكاء يدل على ضعف الرجل وخوره ،وأنه من الصفات الخاصة بالنساء. وقد عُرف عن صديق هذه الأمة أنه كان رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. بل قد يبكي الرجل في موطن النعمة المسداة من الله ،كما بكى أبو بكر رضي الله عنه عندما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في خطبته: ((إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده ،فاختار ما عند الله)) يقول راوي الحديث: فعجبنا لبكائه. فالصديق لم تخرج دموعه هنا إلا عندما استشعر حقيقة فقدان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قد قرُب أجله ،فخرجت تلك الدمعة الصادقة تعبر عن نفسها وكان لسان حاله يقول:
|
أحـرَّ البكـائـين البكـاء المـولـج وأنـت لأذيـال الـروامـس تـدرج فليـس بهـا للصـالحـين مُعـرّج فتصبـح فــي أثـوابهـا تتبــرج عليك وممـدود مـن الظـل سجسـج
|
فليـس البكـا أن تسـفع العيـن إنـما أتـمنـعنـي عنـي عليـك بـدمعـة عفــاءُ علـى دار رحلـت لغيـرها لمـن تستـجد الأرض بعـدك زينــةً ســلام وريحـان وروح ورحمـة
|
أيها الأحبة في الله: نعم إننا نبكي أحياناً ،ويمر على جميعنا ،بعض المواقف ،تخرج الدموع أحياناً ،لكن أقولها صريحة لكم: بأن غالب بكائنا إنما على أحوالنا الشخصية ،يبكي أحدنا لو توفي أبوه ،أو ولده ،أو لو جاءه خبر مفرح فمن شدة الفرح يبكي. وكل هذا ليس فيه عيب ،بل من الطبيعي أن البشر يبكون في مثل هذه الحالات.
يقال بأن رجلاً توفي له ولد في زمن الإمام ابن القيم رحمه الله ،فصار هذا الرجل يوزع الحلوى على الناس ويضحك وهو مسرور. فجاءوا يسألون ابن القيم عن حال هذا الرجل وأنه كيف بلغ من قمة الإيمان ،وكمال التسليم أنه لم يتأثر بموت ولده وبل كان يوزع الحلوى ،ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مات ولده إبراهيم بكى.
يقول ابن القيم فاستشكل ذلك عليّ فسألت شيخنا شيخ الإسلام. فقال شيخ الإسلام إن حال الرسول أكمل وأعلى لأنه جمع بين الرحمة (وهي الدمعة التي خرجت منه) وبين التسليم للقضاء والقدر ،أما هذا فعمله تصنّع ولم تظهر عليه آثار الرحمة.
فالمقصود بأن البكاء الطبيعي في مثل هذه المواطن ليس بعيب وليست منقصة.
لكن البكاء في المواطن التي جاء الشرع بالثناء والمدح لأهلها قليل ومع الأسف ،قليل بين الناس عامة ،وبين الرجال والشباب المؤمنين الأتقياء ،الذين يحملون راية الإسلام ،خاصة.نعم نبكي عند وفاة قريب وفقدان حبيب ،لكن أين شباب الإسلام ،وأين شباب الدعوة الذين يبكون من خشية الله ،تخرج وتنزل دموعهم خوفاً من الله عز وجل. قال البخاري رحمه الله: باب البكاء من خشية الله. ثم ساق حديث السبعة الذين يظلهم الله ،يوم لا ظل إلا ظله ،وذكر منهم ذلك الرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه. روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله تعالى ودخان جهنم)).
أين الشباب الذين يبكون وتنهمر دموعهم عند سماع آيات الله الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون .
والله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله .
أين حملة الإسلام الذين إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين .
أين الرجال الذين يسمع لصدورهم أزيز كأزيز المرجل إذا ما وقفوا بين يدي الله في الصلاة. من منا يبكي إذا سمع بآلام وجراحات المسلمين في أي مكان من الأرض. كم سمعنا وربما شاهدنا عبر الصور مجازر للمسلمين ،ومذابح للأبرياء شيوخاً وأطفالاً ونساءً ،تدمر على رؤوسهم أحياناً بيوت الله عز وجل.وقليل المتأثر، وأقل من القليل الذي يبكي على هؤلاء.
من منا بكى فرحاً لله عز وجل عندما سمع بنصر للإسلام حُقق هنا أو هناك. نصراً مادياً أو نصراً معنوياً. من الذي يبكي لو فقدت الأمة ،أحد علمائها أو مصلحيها وتأثر حقيقة كما يتأثر لو فقد أحد أهله وأقربائه. أياً كان هذا الفقد ،إما بموت أو بغيره. أين الذي يبكي ويتأثر ويتقطع قلبه ،عندما يرى أو يسمع بأن شريعة الله تحارب ،وأن دين الله يقاوم ،وأن المسلمين يضيق حتى على أنفاسهم الذي يتنفسون ،وطعامهم الذي يأكلون ،وشرابهم الذي يشربون ،وثيابهم الذي يلبسون.وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فاتقوا الله أيها المسلمون ،كفانا قسوةً ،وكفانا غلظة وتحجرا ،نبكي لأمورنا الشخصية ولا نبكي في المواطن التي يفترض في شباب الإسلام أن يكون قدوة لغيرهم فيه.
أيها المسلمون: عندما نطالب الناس بشكل عام ،وشباب المسلمين الدعاة منهم إلى الله بشكل خاص ،أن يبكوا أو حتى يتباكوا على ما مضى من أمثلة فإنا لا نعني ولا نقصد ولا نريد أن يفهم أحد أن الذي نريده هو البكاء فقط ،أو البكاء لأجل البكاء. كأن نجلس في بيوتنا نبكي على مذبحة تحصل للمسلمين ،أو نبكي على فقد وخسارة عالم أو مصلح ،أو نبكي على تضييق للدعوة يحصل في أي مكان من الأرض. فإن هذا غير مقصود ،بل إن هذا لا يجدي ولا يغير من الأمر شيء. لكن نريد أولاً تأثر القلب ،وتحرك الشعور وأن يصاحب ذلك دمعة صادقة فحسن، لكن المهم وهو المطلوب سواء حصل البكاء أم لم يحصل التفاعل مع أحوال المسلمين ،التأثر لواقع الأمة ،والتقديم لخدمة الدين ،أياً كانت هذه الخدمة ،وأياً كان هذا التفاعل ،وكل بحسب طاقته وما أعطاه الله من قدرات وإمكانيات، هذا يقدم مالاً وتبرعاً ،وآخر يساهم بنفسه ووقته ،وثالث يرفع يديه بالدعاء وهكذا. لكن البكاء لوحده ،والبكاء من أجل البكاء فإن هذا لا يفيد ولا يجدي وغير مقصود.
نسألك اللهم أن تعجل بفرج أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
|