|
أما بعد:
فيا عباد الله: ما أحوج قلوبنا للتقوى تعمرها، لتقينا عاديات الهوى، ووساوس الشيطان، فلا نضعف أمام شهوات نفس، ولا نستسلم لمعنويات شيطان لنكون بحق كما قال بعض الصالحين: (أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك)، هذه هي التقوى أن توجد حيث أمرك الله في أماكن الطاعة والعبادة في مجالس العلم وذكر الله تعالى، وأن تفتقد حيث نهاك الله فلا جلوس على منكر ولا غشيان لأماكن مشبوهة أو فيها فتنة، فلا يبلغ منازل المتقين إلا من كان على هذه الصفة ممتثلا أوامر الله مجتنبا ما نهى الله عنه، والتقوى درجات ومنازل: وأول منازل التقوى الإيمان بالله، والإقرار بوحدانيته، والولاء لعبوديته، فمن لا يؤمن بالله لا يدخل مدخل المتقين أبداً، لأن أساس التقوى خشية الله ومراقبته، ولا خشية ولا مراقبة لله عند من لا يعرف الله، ولا يؤمن به، ولا يشهد قيوميته على كل نفس بما كسبت.
فإذا آمن الإنسان بالله، إيمانا وقر في القلب، وخالط المشاعر كان أول الطريق إلى التقوى، ثم كان بين يدي المؤمن طريق طويل يرقى فيه إلى درجات عالية من التقوى، ومن هنا اختلفت منازل المتقين كما يقول عز وجل في أهل الإيمان، ولابسي لباس التقوى: (هم درجات عند الله) ويقول جل شأنه: ليس على الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا، إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين .
وأنت تسمع أن كلمة التقوى تكرر ذكرها ثلاث مرات وكذلك كلمة الإيمان وفي كل مرة يأخذ الإيمان مع المؤمنين مكانا أثبت في قلوبهم، وأمكن في مشاعرهم، كما ترتفع بهم التقوى من درجة إلى درجة وهم في صحبة الإيمان والعمل الصالح، وقد تضمنت الآية الكريمة رفع الحرج عن المؤمن فيما ينال من مطاعم، ولكن أي مؤمن هذا الذي رفع عنه الحرج فيما يطعم؟ إنه المؤمن الذي لبس لباس التقوى فكان له دثارا وإزارا، إنه كان من الذين آمنوا بالله أولا، ثم اتبع هذا الإيمان بالعمل الصالح، ومن العمل الصالح نبتت بذور التقوى، والذي يقول عنه الرسول الكريم حينما سئل عن الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
فالإيمان بالله حقا، من شأنه أن يلبس المؤمن لباس التقوى، وأن يقعده مقعد المحسنين.
وإن الإيمان الذي لا يثمر التقوى في القلب، ولا يقيم منها وازعا يزع الإنسان عن محارم الله، ويقيه أهواء نفسه، ووساوس الشيطان. هو دعوى يدعيها صاحبها، دون أن يقيم من أقواله وأفعاله شاهدا على صدق هذه الدعوى وأنه من المؤمنين حقا.
ولهذا جاءت دعوة الله تعالى إلى المؤمنين بالتقوى مصاحبة للإيمان في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وفي ذلك إرشاد منه سبحانه للمؤمنين أن يلبسوا من إيمانهم لباس التقوى وإلا ظل الإيمان زرعا بلا ثمر.
وقد وعد الله المتقين بالحياة الطيبة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة فقال سبحانه: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ، ويقول جل شأنه: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض .
وحسب المتقي أن يكون دائما في حمى الله، وفي معية الله، وكما يقول سبحانه: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ذلك أن المتقي إنما يكون تقواه في مراقبة الله، وفي حضور من جلاله وعظمته، ومن كان مع الله كان الله معه.
وحين تثبت مغارس التقوى في قلب المؤمن بما يزود نفسه به من الأعمال الصالحة فإن هذا القلب يتخلص من آفات الغفلة والاستخفاف بالمنكر من الأقوال والأفعال، فإذا ورد عليه وارد من منكر ضاق به وتأذى منه فيفزع إلى ربه طالبا الخلاص مما ألم به، طالبا الصفح والمغفرة وهنا يصح قلبه ويستقيم طريقه إلى الله تعالى يقول الله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون .
وهكذا تكون حال المتقين إذا دخل عليهم من وساوس الشيطان ما يعكر صفو قلوبهم، إنهم لا يجدون في أنفسهم ظل الأمن والسكينة إلا بالخروج من تلك الحال، وذلك بتذكرهم لجلال الله تعالى، وسلطانه القائم عليهم فيطردون هذا الوسواس وما نجم عنه من أقوال أو أعمال، لا يرضاها الله.
ولهذا كان من شأن المؤمن التقي أن يذكر ربه دائما لأن الذكر مطردة للشيطان ووساوسه، مطهرة لكل ما يدخل به على الإنسان من رجس ودنس وهذه هي حال المؤمنين الصادقين كما قال الله تعالى: إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم .
إنه لا يمسك بالتقوى، ولا يثبت دعائهما في كيان المؤمن إلا ذكر الله في كل حال من أحواله، فإذا غفل من ذكر الله الذي يمد التقوى بما ترتوي به جفت عروقها، وتساقطت أوراقها وأصبحت هشيما تذروه ريح الوساوس التي تهب على الإنسان من الشيطان ومن نفس أمارة بسوء إنه لا بد من دوام ذكر الله والتسبيح بحمده حتى يقهر هذين العدوين، روى الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان أن رسول الله قال: ((عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة))، ويقول سبحانه: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ، فالتأسي برسول الله إنما يكون من المؤمن الذي يرجو لقاء الله، ويؤمن بالجزاء الأخروي وهذا لا يكون إلا بذكر الله كثيرا فإن ذكر الله يقود المؤمن إلى أعلى منازل الإيمان وهذا لا يكون على كماله وتمامه إلا بالتأسي برسول الله وهذا التأسي إذا لزمه المؤمن كان من أهل التقوى، نسأل الله إن يرزقنا تقواه وأن يجعلنا من عباده المتقين وأن ينزلنا منازلهم التي وعدهم في قوله سبحانه: إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
|