|
أما بعد:
فإن الإسلام جاء بالتكافل الاجتماعي فحدد أطره، ووضع عناصره، وبين سبله ، وسن ما يحث عليه ويحفظه ، فالمسلمون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ولقد جاءت مجموعة الشرائع في مجال الأخلاق والمعاملات والعبادات لتؤكد على هذا الجانب كصلاة الجمعة والجماعة في الفرائض والأعياد ، وكآداب الجوار ، وصلة الأرحام ، وكحسن الخلق المتضمن أنواعاً عدة من محاسن الأخلاق ومجامعها.
وإن من أعظم وسائل تقوية التكافل الاجتماعى في الإسلام البذل والإنفاق، لذلك حبب الإسلام إلى بنيه أن تكون نفوسهم سخية وأكفهم ندية وأن يجعلوا تقديم الخير إلى الناس شغلهم الدائم لا ينفكون عنه في صباح أو مساء يقول تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة:274].
ومن الواجب على المسلم أن يقتصد في مطالب نفسه حتى لا يستنفذ ماله كله ، فإن عليه أن يشرك غيره معه فيما آتاه الله من فضله وأن يجعل في ثروته وماله متسعاً يسعف به المنكوبين ويريح المتعبين قال رسول الله : (( يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعـول، واليـد العليـا خير من اليد السفلى )) رواه مسلم، ويقول : (( السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله عز وجل من عابد بخيل )) رواه الترمذي.
ولما كانت النفس البشرية تخشى الفقر وتخاف الإنفاق فقد ضمن لها الله سبحانه وتعالى أن يخلف ما أنفقت غيره فيقول تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه [سبأ:39].
ويروي أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا )). متفق عليه وعنه أن رسول الله قال: (( قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم ينفق عليك )) متفق عليه.
وعندما ينفق المسلم من طيب ماله ولا يقبل الله إلا حلالاً طيباً فيجب عليه أن يعرف أن ذلك مدخر له عند ربه فعن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة فقال النبي : (( ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها. قال: بقي كلها غير كتفها ))رواه الترمذي. وقال حديث صحيح.
وتحسن النفقة وتعظم بل وتتأكد عند ظهور الحاجة خاصة كانت أم عامة كمريض فقير يحتاج إلى علاج ، أو ناكح فقير يريد العفاف ، أو عائل أسن ذي عيال صغار ، أو مجاعة شاملة نتيجة قحط وجدب وإبطاء مطر وجفاف نهر.
وهذه صحف اليوم وبقية وسائل الإعلام تطلعنا أخبار مجاعة رهيبة ظهرت في مجموعة كبيرة من دول إفريقيا ، ومعظم سكانها من المسلمين، أكلت هذه المجاعة الأخضر واليابس ، وتركت مئات الألوف بل الملايين بلا طعام يطعمونه، ولا ظل يستظلونه، بل ولا ماء بارد يشربونه ، فترى هياكل عظيمة بشرية تتحرك، خيم عليها شبح الجوع والبؤس، ورفرفت عليها بوادر الموت المخيف.
ولنا أن نتصور منظر الأم التي يجود طفلها بأنفاسه الأخيرة تذرف الدمع السخي، وهو – والحالة هذه – شحيح قليل، ولنا أن نتخيل الجموع العظيمة من الناس وقد شحبت وجوهها ، وقرقرت بطونها ، والتفت على بعضها البعض ، خائرة قواها ، منتظرة أجلها المحتوم ، أو منقذا تروم ، تقلب طرفها في جوانب السماء والأرض مستبطئة الغرق ، ولنا أن نتخيل كذلك المواشي الميتة ، الملقاة يمينا ويساراً ، فهذه مراعي خضراء يبست ، وتلك أنهار إقليمية جفت ، إنها يا عباد الله حالة مؤلمة محزنة ، مبكية ، والذي يزيد في الألم وجود أعداد أخرى من المسلمين متنعمين يرمون في صناديق الفضلات طعامهم، بل ويجمعونه في قلابات، ويرمونه في التراب ، وآخرون توسعوا في الكماليات حتى كأنهم لا يعلمون بأن هذه الأموال التي تضيع في السرف واللهو ربما أنقذت عوائل كثيرة ، ويزيد في الألم مسارعة أهل الكفر والزندقة وأصحاب الأهواء من يهود ونصارى إلى اغتنام هذه الفرصة الثمينة ، فقد قامت حملات تنصيرية كبيرة للإغاثة ، ولتقديم الطعام ، والعلاج ، واللباس ، وليقدم مع هذا السم الذي يرد المسلم عن دينه فنراه يتنصر ، أو يتهود ليصبح بعد أن كان مسلماً قوة ضاربة على الإسلام.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
اللهم ألهمنا رشدنا وبصرنا عيوبنا ، وأعنا – ربنا – على الإحساس بإخواننا ، وأن نقوم بواجبنا نحوهم ، إنك سميع مجيب ، وبالإجابة جدير .
|