|
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى
كان المعتمد بن عباد أمير أشبيلية في الأندلس يعيش حياة مترفة غاية في التنعم، واللذة، طيبات الدنيا تجلب له. وفي ذات يوم اشتهت زوجته أن تخوض في الطين كعادة المترفين، ونفذ رغبتها لقد أمر بسحق الطين ثم نثر في ساحة القصر حتى غطاها ثم عجنه بماء الورد حتى تخوض فيه زوجه، وحياتها كانت حياة لذة ومعة وأنس وبهجة، فهل دامت لهم؟
دارت الدائرة عليه فاجتاحته، قوات المرابطين، فإذا أميرهم يوسف بن تاشفين، يصفد بالأغلال يديه ورجليه ،فإذا به يفرد في السجن واستُذل بنوه وبناته، وعاد مرحوما بعد أن كان محسودا.
وفي يوم من أيام سجنه دخلت عليه بناته في يوم العيد، وهن في أطمار رثة، ومعهن المغازل يغزلن بها للناس حتى يحصلن على بعض القوت فقال:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فسائك العيد في أغمات مأسورا
من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالأحلال مغرورا
يطأن بالطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
كم من أمة، وكم من شعب، ودولة، كان مساؤها نعيما، وترفا، ولذة، وحديا لاهيا، وغنى مطغيا، ثم كان صبحها عذابا، وتشريدا، وفتكا .. وآيات الكتاب شاهدة : وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون [النحل:112]. ويقول تعالى: كذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [هود:102].
ولا تزال حوادث التاريخ منذ بدأ الخليقة إلى زماننا هذا تصب في سمع الدنيا من أبناء القرى التي فتحت عليها النعم فما رعوها حق رعايتها فقطفت في يناع زهوها واستكمال بهجتها أتاها أمر الله لتذهب عنها النعم، وهذه الأمم أشد ما تكون وثوقا بها وافتتانا بزهرتها، وكل شيء لهم على بال إلا أن تزول هذه النعم أو تتحول:
حسنت ظنك بالأيام إذ حسنت وغاب عنك الذي يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وتستمر آيات القرآن واعظةً اللاهين السادرين الذين ركنوا إلى نعم الحياة وقوة سلطانها وجبروت ملكهم: لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور [سبأ 16-17]. ورد في الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أنه سمع النبي يقول: ((إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك قال الإبل، فأعطي ناقة عشراء، وقال له بارك الله لك فيها، فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس؛ فمسحه فذهب عنه وأعطى شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملا وقال بارك الله لك فيها؛ فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال أن يرد الله اليّ بصري فابصر الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا، فانتج هذان وولد هذا ،فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله . فقال : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له: مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل مارد هذا فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لصاحبيه، فرد عليه قائلا: قد كنت أعمى فرد الله الي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت، فقال له: أمسك مالك فإنما ابتُلِيتُم، قد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك)).
نعم يا عباد الله إنه جزاء من شكر النعم، وذلك جزاء من جحد بها، ولم يقدم شكرها بل نسبها إلى نفسه.
إخوة الإيمان ونحن ممن قد حبانا الله بنعم عظيمة، وآلاء جزيلة، أحوج ما نكون إلى أن نحافظ عليها بالشكر، لمن رزقنا إياها فإلى متى نتعامى عن النّذر والآيات التي أصاب بها الله أقواماً أنعم عليهم، فكفرت بأنعمه وجحدت فضله، فألبسهم الله ثوب الجوع والخوف والنقص، إن هذه الدنيا لا يغتر بها إلا غافل ولا يركن إليها إلا جاهل .
فكم ذكر الناصحون السادرين فما تذكروا وكم توالت على أهلها النذر فلم يتنبهوا ثم أفاقوا على أمر جاء بلا نذر سابقة ولا دلائل منذرة فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عيهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، وأفاقوا على نعمهم فإذا هي ذكرى، وعلى بهجتهم فإذا هي أماني … ولو سألنا حوادث التاريخ لأثبتت ذلك سلوا بغداد كيف كان أهلها في رغد من العيش، فماذا فعل بهم التتار، سلوا دمشق وسلوا الأندلس، ونعيمها وبهجتها سلوا الكويت قبل سنوات قريبة، وستنطق لكم الأيام بأفصح لسان وحوادثها بأبلغ بيان لتخبركم أن الحوادث جاءت عندما نسوا شكر الرب المتفضل بالنعم. ويزداد البلاء ويتعمق الجرح حين تجد من تعمى أبصارهم عن حقيقة هذا البلاء فيتعلقون بأسباب مادية منها يبدأون وبها لمصيرهم خصالهم يؤولون وإليها يعودون. إن الواجب علينا أن نعتبر قبل أن نكون عبرة، وأن نتذكر قبل أن نكون ذكرى، والحوادث من حولنا تترى، تقول لنا إن من نسى الله وفضله نسيه الله، ومن عصى الله وهو يعرفه سلط الله عليه من لا يعرفه، ومن أولي النعمة فلم يشكرها سلبها الله منه: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم [يونس:96-97].
إخوة الإيمان إننا أمام كل حادثة من حوادث التاريخ، أمام كل حادثة من حوادث العصر وقوارعه، والناس يتخطفون من حولنا ونحن قد حبانا الله بنعم عظيمة، لم تتوفر لغيرنا، أمام كل ذلك لا بد لنا أن نفيق من سبات طالما استغرقنا فيه، أن نستفيق من لهو طالما سهونا فيه، ومن لم توقظه هذه القوارع فمتى يستفيق، ومن لم توجعه هذه الحوادث، إنه ليس بيننا وبين الله نسب حتى يكون العذاب وسلب النعم لغيرنا ونحن السالمون، فمتى نرجع أما نخشى الله ونحن نقرأ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال:25]. إن دفع هذا البلاء مرهون بصدق العودة إلى الله وشكر نعمه وتحقيق الإيمان به فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلي حين [يونس:98]. إن خير وسيلة لتحقيق ذلك الإيمان هو اللجوء إلى الله بالدعاء والتضرع والشكر يقول تعالى فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ، إن شكر الله على نعمه لا يكفي بالأقوال فقط، وإنما نلوذ بالله موقنين وأن ندعوه واثقين وأن تكون ثقتنا بربنا أعظم من ثقتنا بكل قوة، ويقيننا بالله أعظم من يقيننا بكل يقين، وشكرنا لله وحده وليس لغيره كائنا من كان، وإننا حينما نتعلق بغير الله فإنا نخسر، ولا نربح، وقد تكون الخسارة في شيء لا يعوض، ولات حين مندم، إن اعتمادنا على الله وحده يكفينا شر المغرضين، والحاقدين، والمرجفين، الذين يسعون بكل ما أوتوا من قوة لنشر إرجافهم، وحقدهم، في مجتمعنا المسلم حاسدين ما أوتينا من نعمة ومكانة، ولكن يجب أن نكون أعظم وعيا وأشد إيمانا وأفضل شكرا لهذه النعم التي نتبوأها ونتلمس غرها إننا بذلك وحده نستطيع الحفاظ على هذه النعم وتسخيرها في خدمة ديننا وأمتنا وعلماءنا الصادقين وأوليائنا الناصحين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أولم يروا أنا جعلنا حرما آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون .
بارك الله لي ولكم في الفرقان العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
|