أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، اصدقوا مع الله، واصدقوا مع عباد الله، فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا.
صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وعفة النفس، والقناعة بالمقسوم من صفات المؤمنين. والكذب والخيانة، والطمع الخبيث والخداع، من علامات المنافقين وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ [البقرة:204]. قد اشترى الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة والعاجل بالآجل، فهو من المارقين، وبظلمه واقترافه الكذب، قد خرج من المخاطبين بقوله: يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ [التوبة:119].
أيها المسلمون، إن كثرة الكذب وقلة الصدق، آفة إذا استشرت في مجتمع ما، قوضت أركان سلامته، وهدمت أساس استقراره، وبدلت اطمئنان أفراده قلقا، وسعادتهم شقاء، لأن حياة المجتمع في الثقة بين أفراده، ولنا أن نتصور إنسانا يعيش في مجتمع مليء بالكذبة، فكيف تكون حاله؟
كل خبر يسمعه لا يطمئن إلى صدق مخبره فيه، حتى يتأكد بنفسه، وكل سؤال يسأله لا يرتاح إلى صدق مجيبه حتى يبلوه، لا يطمئن في التعامل مع أهله وجيرانه، ولا في بيعه وشرائه، ولا في مكتبه وعمله، لأنه لا يثق بصدق الناس في إخبارهم وتعاملهم، فهل يمكن للمسلم في مثل هذا الجو القاتم أن يحيا حياة مثمرة، فضلا عن أن تكون حياة سعيدة هانئة؟
إن تقدم المجتمع المسلم ورفاهيته وسلامته واطمئنان أفراده، كل ذلك مرهون بشيوع الصدق بين أفراده، وانتشار الثقة بينهم، واضمحلال الكذب إلى أقصى حد ممكن، في تعاملاتهم وعباداتهم وإعلانهم ومدارسهم، وفي شؤون حياتهم كلها.
أيها المسلمون، لقد حث النبي على الصدق، لأنه مقدمة الأخلاق، والداعي إليها وهو علامة على رفعة المتصف به، فبالصدق يصل العبد إلى منازل الأبرار، وبه تحصل النجاة من جميع الشرور، كما أن البركة مقرونة بالصدق، قال : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) [رواه البخاري ومسلم].
ولذا، فإنك لا تجد صادقا في معاملته، إلا وجدت رزقه رغدا، وقد حاز في ذلك الشرف والسمعة الحسنة، ويتسابق الناس إلى معاملته، فالصادق يطمئن إلى قوله العدو والصديق، الصادق الأمين مؤتمن على الأموال والحقوق والأسرار، ومتى حصل منه كبوة أو عثرة، فصدقه شفيع مقبول، والكاذب لا يؤمن على مثقال ذرة، ولو قدر صدقه أحيانا، لم يكن لذلك موقع، ولا حصل به ثقة ولا طمأنينة، ألا ترى قول الله ـ عز وجل ـ في إخوة يوسف عندما قالوا لأبيهم: يأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ % وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ % قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا [يوسف:81-83]. فصدقهم هذا أبطله كذبهم الأول حينما قالوا عن يوسف: أَكَلَهُ ٱلذّئْبُ [يوسف:14].
ناهيك ـ أيها المسلم ـ عمن اعتاد على الكذب وصار عادة له هل تخاله يصدق ولو مرة؟
قال الأصمعي: قلت لكذاب أصدقت قط؟ قال: لولا أني أخاف أن أصدق في هذا لقلت لا. فتعجب.
فالصدق ـ أيها الأخوة ـ تبرم به العهود الوثيقة، وتطمئن له القلوب على الحقيقة، فمن صدق في حديثه كان عند الله وعند الناس صادقا محبوبا، مقربا موثوقا، شهادته بر، وحكمه عدل، ومعاملته نفع، ومن صدق في عمله، بَعُد من الرياء والسمعة، صلاته وزكاته، وصومه وحجه، وعلمه ودعوته، لله وحده لا شريك له، لا يريد بإحسانه غشا ولا خديعة، ولا يطلب به من أحد من الناس جزاء ولا شكورا، يقول الحق ولو كان مُرًّا، لا تأخذه في الصدق مع الله لومة لائم، فصدقه في أقواله وأفعاله، هو مطابقة مظهره لمخبره، وتصديق فعله لقوله.
فالعلماء الذين ورثوا الأنبياء في رسالتهم، وفي تبليغ الدين الذي جعله الله أمانة في أعناقهم، يجب أن يكونوا القدوة الصالحة في تحريهم للصدق، في أقوالهم وأفعالهم، وأن يعملوا بما يحملونه من العلم وينقلونه من الدين، كما قال ـ تعالى ـ: وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79]. وتلك ـ أيها الإخوة ـ من أبزر مظاهر الصدق في العالم.
والتاجر الذي يعرض السلعة، يؤمل فيها الربح المبارك، يجب عليه أن يتحرى الصدق في قوله وعمله، فلا يروج سلعته بالكذب، والأيمان الفاجرة، فإن ذلك يمحق به الكسب، ويذهب به بركة الربح.
والمحترف بأية حرفة، والصانع في أي مجال للصناعة، يجب أن يتحرى الصدق في قوله وعمله، فلا يزعم زعما لا يصدقه الواقع، وتكذبه الحقيقة.
والموظف المؤتمن على مصالح الأمة، مهما ارتفعت وظيفته، واتسع نفوذه وتشعبت مسؤولياته يجب عليه أن يتحرى الصدق، فيما يرفعه إلى ولاة الأمر عن الرعية من تقارير وأحكام، فلا يقرر غير الواقع، ولا يلبس أو يحابي أو يجامل أناسا على حساب الآخرين، وإلا كان غاشا للناس، مدلسا فيما يرفعه لولاة الأمر من مصالح العباد وشؤونهم، تعظم مسؤوليته أمام الله، ويؤاخذ على ظلمه للعباد وتقريره خلاف الواقع ((ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) [رواه البخاري ومسلم].
وكذلك من يحترف الصحافة، أو يتصدى لإشاعة الأخبار بأي وسيلة من الوسائل، يجب عليه أن يتحرى الصدق فيما ينقله ويرويه، فلا ينقل كذبا، ولا ينشر باطلا، فإن الكذب حين يذاع، والباطل حين ينشر، يعظم بين الناس خطره، ويتفاقم ضرره، لذلك كله يضاعف الله عقابه، قال رسول الله في حديث طويل مفاده ((رأيت الليلة رجلين أتياني، وقالا: إن الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة)) [رواه البخاري ومسلم].
فالصدق ـ يا عباد الله ـ، بالإضافة إلى أنه أثر للصلاح، وعامل للفلاح، هو ضياء للساري في خضم هذه الحياة الصاخبة، يهديه للتي هي أقوم، حتى يكتب من الصديقين، ومن زمرة البررة الصالحين.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر، فقد أخبر ـ سبحانه ـ أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال ـ تعالى ـ: هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119].
أيها المسلمون، لقد أمر الله رسوله ، أن يسأله بأن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق؛ حيث قال: وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا [الإسراء:80]. وأخبر عن خليله إبراهيم بقوله: وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلاْخِرِينََ [الشعراء:84]. وبشر عباده بقوله: وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ [يونس:2]. وقال ـ تعالى ـ: إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ [القمر:54، 55].
فهذه خمسة أشياء، مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق، وحقيقة هذه كلها هو الحق الثابت المتصل بالله، الموصل إلى الله، وهو ما كان بالله ولله من الأقوال والأفعال.
وعلى هذا الطريق وهذا النهج القويم، سار سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ، فضربوا لنا أروع الأمثلة، وبلغوا قمم البطولات، وأناروا بصدقهم دياجير الظلمات، ورسموا لنا معالم الصدق على صحائف من نور.
فهذا أنس بن النضر حين قال: أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ، ليرين ما أصنع، فشهد أحدا، فاستقبله سعد بن معاذ فقال إلى أين؟ فقال: واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد. فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون، ما بين رمية وضربة وطعنة، فنزل قوله ـ عز وجل ـ: مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].
وهذا كعب بن مالك عندما صدق في تخلفه عن غزوة تبوك وكان من الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، قال له رسول الله : ((أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)). قلت أمن عندك، أم من عند الله؟ قال: ((من عند الله)) قلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما تعمدت كذبه منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا، وإني لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي.
قال عمر بن الخطاب ، عليك بالصدق وإن قتلك. وقال محمود الوراق: الصدق منجاة لأربابه وقربه تدني من الرب، والصادق في عمله يدور مع الشرع حيث دار.
أيها المسلمون، إنكم ترون بأعينكم، كيف تأخر بنا الشوط، وسلب منا المجد، مع كثرتنا العددية على سطح الكرة الأرضية، وما ذاك إلا من تهورنا، وقلة صدقنا، وفشوا جهلنا.
فما أجدرنا أن يكون الصدق رائدا لنا في جميع أعمالنا وأقوالنا! وليس ذلك على همة المسلم المخلص ببعيد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ [محمد:21].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
|